من كواليس العمل على القصة الصعبة
قصة منتهى ومآب والاستعباد الجنسي في حرب السودان:
كانت هذه القصة من القصص التي تأتي إليك لا التي تبحث أنت عنها أو تسعى إليها، فقد كنتُ أعمل قبل أشهر على موضوع آخر يخصّ اللاجئين السودانيين في مصر عندما جاءت القصة في طريقي.
لم يكن التوثيق سهلا بطبيعة الحال، فالعمل على هذا النوع من القصص مُرهق وثقيل على النفس، فما بالنا بمن عاش هذه التجربة الرهيبة؟
وليس الثقل النفسي وحده هو المشكلة، فمن الصعب أصلا أن تجد ضحية/ناجية ترغب في الحديث ومشاركة تجربتها. وإن وافقت على المشاركة، يمكن أن تتراجع لاحقا لخوفها من النشر في الصحافة، وهو أمر متفهَّم طبعا، ولكنه محبط أيضا.
لم أكن قد أنهيتُ بعد طريق عودتي الطويل بعد أول مقابلة مع مُنتهى، لأجدها تتواصل معي لتخبرني أنها لا تريد الاستكمال والنشر. كنتُ -في لحظات إحباط وإرهاق- على وشك أن أرد عليها ب: حسنا لا بأس فلنُلغِ الأمر تماما. لكنّي تمسكتُ ببعض الطاقة المتبقية لديّ وأعدت التأكيد لها على الحفاظ على الخصوصية من أجل المزيد من الطمأنة، والحديث حول أهمية توثيق مثل هذه القصص.. وأنهينا التواصل دون حسم، لا رفض نهائي ولا وعد باستكمال.
في اليوم التالي كنتُ أتواصل مع الصديقة العزيزة "غادة" الطبيبة النفسية لأستشيرها وأسالها عن الخطأ الذي قد أكون وقعتُ فيه خلال لقائي الأول بالمرأة وإدارة الحوار معها يمكن أن يكون قد دفعها للتراجع، فتخبرني أن الأمر قد لا يتضمّن أي خطأ مني، وأن رد فعلها طبيعي ومتوقع، ففي مثل هذه الحالة، من الطبيعي أن يكون لدى الضحية قدر عال من عدم الثقة، وأن تكون متقلّبة في رأيها أو مواقفها. حدثتني أيضا عن العلاج بالحكي أو الحكي كوسيلة للشفاء، فجعلتني أستعيد حماسي في ألا أُفلت القصة، لأن ما لا يُوثّق يُنسَى، كأن لم يكن.
أسأل غادة أيضا هل مشاركة المرأة ما كتبتُ من حديثها في اللقاء يمكن أن يكون خيارا جيدا لطمأنتها أكثر وكسب ثقتها؟ وتجيب: بالطبع لأنه سوف يجعلها تشعر بأنها متحكمة في الأمر. كانت لحظة سعيدة بالنسبة لي عندما تلقيتُ من المرأة ردا بعدها:
شكرا كتير وتعبتك معايا باشكرك لانو سمعتي لي و من بعدك كتير ح يعرف الحرب دمرت حاجات كتيره والحمد لله على كل حال.
تطلّب توثيق القصة وإكمال تفاصيلها أكثر من مقابلة، ومدى زمنيا طويلا، لأسباب مختلفة، منها حدوث ظروف غير متوقعة مثلا، وكذلك الحرص على ألا يكون هناك أي شكل من أشكال الضغط من جانبي للاستكمال. في مثل هذه القصص، أعتقد أن إكمال القصة ونشرها يكون بالنسبة للصحفي/ة طوال مدة العمل محل شكّ، فالحمد لله على اكتمال القصة وظهورها للنور.
والحقيقة أن مُنتهى بشكل خاص رغم خوفها -الطبيعي- كان لديها حرص على أن تُنقَل تجربتها للناس، إذ قالت إن كثيرات من نساء بلدها تعرضن لما تعرّضت له خلال هذه الحرب، وإنها -بالرغم من حساسية الأمر- تريد أن يعرف الناس ما حدث، وإن كان الضحايا في الغالب لا يتحدثن بسبب "الشرف".
بالنسبة لمآب، التي تواصلتُ معها لاحقا، فهي لم تكن تريد التحدث فيما يخص تفاصيل الواقعة، وبالطبع استبعدتُ هذا الجانب من الحديث معها، لكنها تحدثت عن نزوحها ووضعها في مصر وقد باتت مسئولة عن إعالة من أنجبت جرّاء الاغتصاب، وهذا جزء مهم أيضا يتابع حياة الضحايا/الناجيات فيما بعد الجريمة المروّعة.
قرأتُ أثناء العمل في بعض الأدلة حول توثيق شهادات ضحايا مثل هذه الجرائم أن من الافتراضات الخاطئة أن يتصوّر من يُجري المقابلة أن طرح الأسئلة بالضرورة سيكون مزعجا أو أن الضحية لن تكون بالتأكيد راغبة في الحديث (أكتب هذا من الذاكرة)، كانت هذه معلومة جديدة بالنسبة لي، ولكنها رغم ذلك لم تُنهِ تماما الحساسية من جانبي أثناء المقابلة، أو الشعور بالذنب عند توجيه بعض الأسئلة المباشرة، لما قد أكون قد تسببتُ فيه من إثارة ذكريات مؤلمة.. وكذلك بعض الخجل (من الجانبين أعتقد). بالنسبة لصحفي أو صحفية يهتم بالتدقيق الشديد عند التواصل مع أصحاب القصص، وفي الوقت نفسه ما تتضمّنه هذه القصة بالذات من حساسية في طرح السؤال مرّة وأخرى، فإن ذلك يسبب له/ا قدرا كبيرا من الضغط، أو الإرباك في أحيان كثيرة.
في بداية تعرّفي على القصة كنتُ أتعامل معها على أنها قصة اغتصاب بوجه عام، ثم مع التواصل مع المصادر وبالتحديد أ. سليمى إسحق من المفوضية السودانية لمكافحة العنف ضد المرأة والطفل، والمزيد من الاطلاع، أدركتُ تصنيفا أكثر تحديدا يمكن أن تندرج تحته وهو "الاستعباد الجنسي".
في مرحلة الكتابة، هناك جهد إضافي في هذه القصص ذات الحساسية، لرغبتك في توثيق أكبر قدر من المعلومات التي ذكرتها صاحبة القصة، وفي الوقت نفسه إخفاء الهوية بأقصى ما تستطيع. تُراجع مرة ومرات وتخشى أن يتسرّب شيء دون أن تنتبه له، وذلك سواء قالت لك المرأة "باخلّيها في ذمّتك"، أم لم تقل.
مع الحيرة في صياغة العنوان في المراحل الأخيرة من الكتابة، اخترتُ أن يتضمن كلمة "قسوة" التي كانت ضمن أول جملة سجّلتُها في الأوراق في مقابلتي الأولى مع مُنتهى حين قالت "الحرب كده.. الحرب قاسية".
وقسوة الحرب بتعبير مُنتهى لا تشمل فقط النساء والفتيات، فهناك ضحايا رجال وفِتيان أيضا لجرائم العنف الجنسي في حرب السودان، خاصة خلال فترات اعتقالهم، وإن كان الإبلاغ بينهم أقلّ بكثير.
أحببتُ أن يتضمن الجزء الأخير من الموضوع المليء بالتفاصيل المؤلمة، "طاقة نور" بالنسبة لمنتهى ومآب، فهما القراء الأهم بالنسبة لي، وأية امرأة مثلهما، فجعلتُه إفادة الطبيبة النفسية د. غادة صديق عن إمكانية التعافي من التجارب المؤلمة واستعادة التوازن والإقبال على الحياة.

Comments
Post a Comment