الصعيد بين زيارتين
منى علي علام
مثّل الصعيد بالنسبة لي مجتمعاً مغرياً للبحث، ليس فقط لاختلافه وخصوصية بعض مشكلاته أو كونه لا يحظى بالقدر نفسه من التغطية الإعلامية، ولكن أيضاً لِما توفّر لي فيه من هامش لحريّة الحركة في الميدان، ودخول فريد للمجتمع المحلي، في ظل التضييقات التي باتت تواجهها الصحافة والبحث حاليّاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عملي الميداني ركّز على قرية واحدة وتعمّق في مشكلاتها - التي تتشابه وتتكرر إلى حد بعيد في غيرها من القرى - وفي أحيان قليلة تَوسّع لقرى مجاورة.. ولم يشمل مدى جغرافيّاً واسعاً. أمّا مكتبياً فكان مجال البحث محافظات الصعيد بوجه عام.
في زيارتي الأولى في العام 2016 ركّزتُ على التقصير الحكومي ونقص الخدمات الأساسية، وفي الثانية (2021) عملتُ واحتككتُ أكثر بموضوعات تتعلق بثقافة وسلوكيات الناس أنفسهم هناك: ختان الإناث، قتل النساء باسم "الشرف"، ميراث المرأة.. ورصدتُّ كيف أن هذه المجتمعات نفسها تُهدر فيما بينها قيماً وأخلاقيات وحقوقا ًأساسية، بما يُناقض الصورة الذهنية الشائعة لأهل الصعيد. فصفات مثل الشهامة والمروءة أو الالتزام بالأصول.. من المفترض أن يحرص أصحابها على تقدير ومراعاة النساء والأيتام والأكبر سنّاً.. والفئات الضعيفة عموماً، بينما ما يحدث في الواقع هو العكس. وبخلاف العلاقات الإنسانية القويّة وصور التضامن الاجتماعي التي أسمع أنها كانت موجودة قديماً، يمكن أن تجد حالياً قطيعة أو علاقات غير ودية بين أقارب وجيران. ويؤدي الفراغ وعدم مراعاة الخصوصية في القرى لأن يقضي الناس أوقاتهم في القيل والقال ونقل الكلام ومتابعة أحوال غيرهم أو التدخل في شئون بعضهم البعض، بما يجعل القرى مكانا خانقا للعيش. تغيَّرَ الصعيد كذلك بالاتجاه إلى المنتجات الغذائية المصنّعة وليس المُنتَجة بيتيّاً التي كانت تُحدث نوعاً من الاكتفاء الذاتي داخل كل بيت، فاللبن والأجبان من الدكّان أو "السوبر ماركت"، والسمن الصناعي بدلا من السمن البلدي.. مع انخفاض إنتاج الماشية المربّاة مقارنة بالماضي..
على مستوى الدولة لا نجدها حاسمة في مواجهة تلك العادات والتقاليد التي تنتهك حقوق المرأة والقانون، حيث غضّ الطرف أو ربما عدم الرغبة في التصادم مع المجتمع (كما في حالة الختان مثلاً المستمر حدوثه على نطاق واسع على الرغم من التجريم القانوني وتشديد العقوبات)، أو اتخاذ خطوات غير كافية لإنصاف النساء (كما في حالة تعديلات قانون الميراث)، أو ربما التواطؤ (كما عبّر الأهالي في جرائم الشرف التي "يتواطأ الجميع على إماتة القصة" فيها كي تمر دون حساب).
....................
نُشر في موقع السفير العربي، بتاريخ 4 فبراير 2024
Comments
Post a Comment