A Plight of A Bird (AR)

 محنة عصفور

منى علي علام

من الإنترنت

إناء معدنيّ متسع وعميق يأخذ مكانا ثابتا في زاوية من زوايا الشرفة الواسعة، اعتاد الرجل أن يملأه بالماء كلّ صباح سَقْيًا للعصافير. عصفور صغير جاء وحيدا، ذات ظهيرة، قاصدا الإناء ليشرب ويرتوي. لكنه، وهو يقف برجليه الدقيقتين على حوافّ الإناء ويمد رأسه إلى الماء ليأخذ بمنقاره بضع قطرات كفيلة بإروائه، يختلّ توازنه ويسقط فجأة في الماء. يفزع العصفور، وبكلّ قوته، التي هي مهما عظُمت هيّنة، يقاوم الغرق في ماء الإناء الذي بدا له في هذه اللحظة في اتساع المحيط وعمقه، ويحاول الخروج مُحدِثا بمحاولته صوتا في الماء لفت انتباه الرجل الذي تصادف خروجه إلى الشرفة مع هذا السقوط المفاجئ للعصفور.

وبسرعة يلتقط الرجل العصفور بيده ويخرجه من الماء، فيصدر العصفور من حنجرته صوتا قويّا، غير ذاك التغريد الذي اعتاد الرجل أن يطرب لسماعه كلما أتت العصافير إلى شرفته، كأنه يستغيث، إن لم يكن من الغرق الذي لم تكن الاستغاثة منه ممكنة من قبل والماء ملء فيه، فمن تلك اليد القابضة عليه، هو الذي اعتاد الانطلاق في الفضاء الفسيح.

ولكنّ تلك اليد الغريبة لم يطل قبضها، فقد أفلته الرجل سريعا ووضعه بجوار الإناء، فسكت صوته العالي الذي لا يتناسب أبدا مع حجمه، ولكنّ جسده الضئيل المكسوّ بريش رماديّ كان يرتعش بقوة، وقد جعل الريش المبتلّ جسده أكثر ضآلة.

بمناديل ورقية أتى بها سريعا، أخذ الرجل يجفف العصفور، رأسه وجناحيه وتحت جناحيه حيث يبدو جلد ورديّ رقيق. ثم أخذ يمسح عليه بيده، حتى لكأنّ العصفور ألِفَه واطمئنّ له فأخذ يتمسّح بقدم الرَّجُل، ربما طلبا لمزيد من الدفء، أو شكرا له على ودّه وحنانه. لكنّ الارتعاش لم يتوقف. هل هدأ قليلا؟ بل لعله يزداد! كما أن عينيّ العصفور تترددان ما بين الإغلاق التام ووضع قريب من الإغلاق. ازداد قلق الرجل على عصفوره وخشي أن يسقط صريعا في لحظات.

محاولة أخرى للتجفيف بالمناديل يقوم بها الرجل، ثم يعنّ له أن ينقل العصفور إلى مكان مشمس من شرفته، لعلّ أشعة الشمس تنجح فيما فشلت فيه المناديل، ويسكن الجسد المرتعش.

أمسكه برفق ووضعه برفق وربّت عليه مرة أخرى قبل أن يتركه تحت الشمس ويقف مختبئا يرقبه من بعيد، وفي نفسه أمنية أن يلمحه أي عصفور فيأتي ليفعل له شيئا ويساعده.

وبالفعل لم يمض من الوقت إلا القليل حتى أتت بضع عصافير، كعادتها، إلى الشرفة، وسرعان ما تنتبه إلى وجود العصفور العليل، الذي فقد بفقدان القدرة على الطيران كلّ حوله وقوته. يقترب أحدها من ذلك المسكين ويحوم حوله، كأنه يستطلع أمره ويرى ما به. وبعد أن شخّص الحالة بدأ على الفور العلاج! فقد أخذ يقفز فوقه برفق، المرة تلو الأخرى، وفي كل مرة كان يحرّك ريشه الجاف على ريشه المبتل ليجففه! والرجل يراقب المشهد في سعادة بعد قلق، لأنه لم يفهم في البداية مغزى حركة العصفور المعالِج وخشي أن تؤدي إلى أي ضرر بعصفوره.

وتحت أشعة الشمس الملتهبة في ظهيرة اليوم الحارّ، ومع العلاج الذي أجراه العصفور الطبيب بطريقته الخاصة، بدأ الجفاف يسري شيئا فشيئا في جسد العصفور وبدأت الحياة تدب فيه من جديد! وتغيرت هيئته، فبعد أن كان ريشه أملس، بفعل الماء، وجناحاه منسدلين، صار الريش منفوشا، قليلا ثم كثيرا، وعاد الجناحان إلى وضعهما المعتاد، وصار العصفور قادرا على الحركة، حرّك رأسه وجناحيه، ثم تحرّك وقفز إلى مكان قريب، ثم إلى مكان أبعد، حيث قفز على غصن نبات كثيف الأغصان يحتل مكانه في الشرفة.

وإذا كان العصفور المعالِج قد أدّى مهمة التجفيف ببراعة ومضى، فقد بقى عصفور آخر على مقربة من النبات، الذي اختفى بين أغصانه، ذلك العصفور المرجوّ تمام تعافيه، كأنه يحرسه.

استغرق كل ذلك وقتا طويلا، تعب الرجل من طول الوقوف، وبعد أن زال معظم قلقه على عصفوره الذي اختفى بين الأغصان، ذهب ليرتاح على مقعد قريب، ثم انشغل ببعض أمره. وحينما عاد لم يجد العصفور بين الأغصان، ولا صاحبه بطبيعة الحال، فسعد بالتعافي التام سعادة بالغة، وإن كان يتمنى لو رآهما يطيران معا ويحلّقان بعيدا، بعد أن اجتاز عصفوره المحنة الصعبة. رفع الرجل رأسه إلى السماء وقد علت شفتيه ابتسامة وامتلأ قلبه بالطمأنينة. ومنذ هذا اليوم استبدل بهذا الإناء إناء أصغر، تستطيع العصافير، إن سقطت فيه، أن تنهض بسهولة، وتحلّق من جديد. 

Comments