د. نفوسة زكريا: نصيرة الفصحى
منى علّام
د. نفوسة زكريا
مصدر الصورة أسرتها
ارتبط اسم د. نفوسة زكريا سعيد بكتابها "تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر" والذي تتبعت فيه أصل الدعوة إلى استخدام العاميّة في الكتابة، والآثار التي خلّفتها في ميدان اللغة والأدب. وهذه الدراسة كانت في الأصل رسالتها لنيل درجة الدكتوراة في اللغة العربية وآدابها. ورغم أهمية هذا المؤلَّف وكونه مرجعا أساسيّا في قضية الفصحى والعاميّة إلا أن المعلومات المنشورة عن صاحبته محدودة للغاية، ربما لا تتعدى أنها كانت أستاذة للأدب العربي الحديث بكلية الآداب جامعة الإسكندرية. لذلك كانت هذه المحاولة لإلقاء الضوء على سيرتها العلمية ومؤلفاتها التي يأتي على رأسها "تاريخ الدعوة إلى العامية".
الميلاد والسيرة العلمية
ولدت د. نفوسة في الإسكندرية عام 1921. نالت درجة الليسانس من قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 1946 بتقدير ممتاز لتكون أول معيدة بالقسم وبالكلية، ثم نالت درجة الماجستير عام 1953 بمرتبة الشرف الأولى، وكان موضوع الرسالة "البارودي حياته وشعره"، وظلّ هذا البحث مخطوطا قرابة أربعين عاما حتى نشرته مؤسسة البابطين عام 1992، وقد قدّم له وأعدّه للنشر د. محمد مصطفى هدارة، وكانت تربطهما علاقة مصاهرة حيث تزوج ابنها من ابنته. وفي عام 1959 نالت درجة الدكتوراة مع مرتبة الشرف الأولى، ونُشِرَت الرسالة عام 1964.
وقد درّست في كلية الآداب جامعة الكويت، وفي السعودية في كلية البنات بالرياض وبالدمام، وكانت أول عميدة لكلية البنات بالقصيم.
ويفسّر د. محمد زكريا عناني ود. فوزي عيسى الأستاذان بالقسم نفسه (وكانا من طلابها) كونها لم تحظَ بشهرة كبيرة بأنها لم تكن على اتصال بالصحافة ولم تشارك في الأنشطة الثقافية العامة واكتفت بدورها كأستاذة جامعية، كما أنها كانت قليلة التأليف.
المؤلَّف الأشهر: تاريخ الدعوة إلى العامية
يقع الكتاب في خمسة أبواب بعد مقدمة وتمهيد، وخاتمة في نهاية البحث. وعن سبب اختيارها هذا الموضوع تقول د. نفوسة في المقدمة إنها عندما بدأت تفكر في اختيار موضوع لرسالة الدكتوراة وكان ذلك سنة 1956 ظهرت من جديد الدعوة إلى اتخاذ العاميّة أداة للكتابة والتعبير الأدبي وإحلالها محل الفصحى، ورغم خطورة هذه الدعوة والضجة التي أحدثتها في مختلف البلاد العربية لم تحظَ بدراسة علميّة منظمة تكشف عن مصدرها وبواعثها وتبين أهدافها والنتائج التي ترتبت عليها "فوجدتني أهتم بها، ولم أشأ أن أقطع فيها برأي إلا بعد دراسة وبحث".
وفي التمهيد تشير الباحثة إلى أن وجود العاميّة (لغة الحديث اليومي) بجانب الفصحى (لغة الكتابة) ظاهرة موجودة في لغات أخرى وليست قاصرة على العربية، وأن هذه الظاهرة لازمت العربية منذ أقدم عصورها وعاشت العامية بجانب الفصحى على ما بينهما من اختلاف دون أن يحدث بينهما تنافس في الميدان الأدبي الذي اختصت به الفصحى.
بدأت الباحثة أول فصول دراستها بالحديث عن اهتمام الأوروبيين بدراسة اللهجات العربية المحلية وبالتأليف فيها منذ القرن التاسع عشر، ليس بهدف البحث العلمي كما تقول وإنما بهدف القضاء على العربية الفصحى وإحلال العامية محلها.
وتقول الباحثة إنها استطاعت بعد بحث أن تقف على المصدر الذي نبعت منه الدعوة إلى العامية حيث وجدته في أول مؤلَّف أجنبي خُصِّص لدراسة العامية المصرية وهو "قواعد العربية العامية في مصر" للألماني "ولهلم سبيتا" الذي كان مديرا لدار الكتب المصرية. ويعتبر الباحثون الكتاب الذي ظهر عام 1880 أول محاولة جدية لدراسة لهجة من اللهجات العربية المحلية. من هذا الكتاب كما تشير الباحثة انبثقت الشكوى من صعوبة العربية الفصحى، ووُضِعَ فيه أول اقتراح لاتخاذ الحروف اللاتينية لكتابة العامية، تلك الحروف التي نودي باستخدامها فيما بعد لكتابة العربية الفصحى.
وقد تتبعت الباحثة المؤلفات الأجنبية التي تناولت دراسة العامية المصرية ودرست عددا منها لمؤلفين من الألمان والإنجليز ممن عاشوا في مصر مدة طويلة وتولوا فيها مناصب عالية وخاصة إبان عهد الاحتلال البريطاني منها كتاب كارل فولرس "اللهجة العربية الحديثة في مصر" وكتاب سلدن ولمور "العربية المحكية في مصر" وغيرهما. حيث وجدت أن هؤلاء المؤلفين قد اتحدوا في هدف واحد هو السعي لإقصاء العربية الفصحى عن الميدان الأدبي وإحلال العامية محلها مرددين المزاعم نفسها من صعوبة الفصحى وجمودها والنظر إلى اللهجة المصرية كلغة جديدة مختلفة عن الفصحى تمام الاختلاف كاختلاف اللاتينية الكلاسيكية عن الإيطالية الحديثة.
كما تتبعت المحاولات التي قام بها الأجانب لضبط العامية واستنباط قواعد لها ولإيجاد أدب مدون بالعامية حيث قاموا بتسجيل بعض الآثار العامية ونشرها من أزجال ومواويل وقصص وكان أغلبها مما التقطوه من أفواه العامة، كذلك محاولاتهم استخدام العامية في معالجة موضوعات علمية وأدبية رفيعة. كما فعل الإنجليزي "وليم ولكوكس" عندما ألّف بالعامية ونقل إليها بعض النصوص. وتشير الباحثة إلى أن دراسة هذه الآثار كشفت عجز العامية عن معالجة الموضوعات الرفيعة وما أحدثته فيها من تشويه أفقدها سماتها الأدبية والعلمية.
وتشير الباحثة كذلك إلى أن بعض المصريين كتبوا بالعامية فعلا قبل الدعوة الأجنبية وفي بدء ظهورها مثل يعقوب صنوع صاحب مجلة "أبو نظارة" وغيره ولكنهم كانوا يهدفون إلى تثقيف العامة والترفيه عنهم على أن تظل للفصحى مكانتها في الميدان الأدبي.
في البابين الثالث والرابع تناولت الآثار التي خلفتها الدعوة في اللغة والأدب، فقد تنوعت الدراسات اللغوية سواء التي تناولت العامية أو الفصحى، كذلك انتشرت المؤلفات المدونة بالعامية بعد أن كانت قليلة، من مسرحيات وقصص ودواوين زجلية ومجلات، بلغت أوج رواجها في الثلث الأول من القرن العشرين أي وقت احتدام المعركة بين الفصحى والعامية عقب الدعوة إلى العامية وإلى تمصير العربية، ثم أخذت تقل تدريجيا حتى كاد الميدان يقفر منها من جديد في الوقت الحاضر (أي خمسينيات وستينيات القرن الماضي).
وقد جاء الباب الخامس والأخير بعنوان "التجربة ترد للفصحى اعتبارها" وفيه فسرت الباحثة رواج العامية في القصة بأنواعها بعكس الشعر بسبب حداثة الفن القصصي في أدبنا المعاصر ورغبة المؤلفين في محاكاة الواقع محاكاة حرفية. وتشير إلى أن إنتاجنا القصصي الذي استخدمت فيه العامية مثـَّل التجارب الأولى في التأليف القصصي (قصة زينب لمحمد حسين هيكل وقصة عودة الروح لتوفيق الحكيم) وأن رواد القصة المعاصرين –باستثناء المازني- لم يستخدموا العامية إلا في بدء تكوينهم الأدبي، وقد كانوا متأثرين بفكرة المصرية في السياسة واللغة والأدب التي راجت في ذلك الوقت، وأنهم خرجوا من هذه التجارب الأولى التي استخدموا فيها العامية معترفين بعجزها وعدم صلاحيتها للتعبير الأدبي مجمعين على نبذها والرجوع إلى الفصحى في تجاربهم اللاحقة. فقد رجع محمود تيمور إلى بعض أقاصيصه الأولى التي كتبها بالعامية فأعاد كتابتها بالفصحى. واتجه توفيق الحكيم في كتابة المسرحية إلى أسلوب جديد حرص فيه على توخي السهولة في التعبير لكي يقرب بين الفصحى والعامية حيث استخدم لغة مستقاة من لغة الحياة اليومية وحرص جهده على ألا تخرج عن قواعد الفصحى.
هذا بصورة موجزة أهم ما رصدته الباحثة في دراستها التي تتجاوز الخمسمئة صفحة. الجدير بالذكر أن الكتاب لم يُعَد طبعه منذ سنوات طويلة إلا على نطاق محدود. شخصيّا لم أستطع الحصول على نسخة ورقية منه حتى من بائعي الكتب القديمة. وفي ظل ظهور الدعوة من جديد إلى العامية أو ما يعرَف بـ"اللغة المصرية" فمن المهم أن يكون الكتاب متوفرا ومتاحًا للقرّاء.
مؤلفات أخرى
إلى جانب رسالتيْها للماجستير والدكتوراة (وكلتاهما بإشراف د. محمد محمد حسين)، للدكتورة نفوسة عدد من المؤلفات: كتاب "عبد الله النديم بين الفصحى والعامية" (الدار القومية للطباعة والنشر 1966) والذي قالت عنه أنه "استدراك ما فاتني ذكره في كتاب تاريخ الدعوة إلى العامية عن دور عبد الله النديم في المعارك التي خاضتها العربية الفصحى في عصره ومنها معركتها مع العامية" ووقوفه بجانب الفصحى رغم سعة معرفته بالعامية وكثرة تجاربه في استخدامها والشهرة التي نالها عن طريقها. وكتاب "خرافات لافونتين في الأدب العربي" الذي أعادت الهيئة المصرية العامة للكتاب طبعه العام الماضي، بالإضافة إلى بحث "الفصحى واللهجات العامية وأثرهما في قومية الثقافة ومحليتها" الذي أعدّته بتكليف من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية، وقُدِّم لمؤتمر الوحدة والتنوع في الثقافة العربية المعاصرة سنة 1971.
وقد توفيت د. نفوسة في الثامن عشر من أكتوبر عام 1989 عن عمر يناهز الثامنة والستين، بعد أن قدمت للغة العربية خدمة كبيرة بدفاعها عن الفصحى ضد الداعين إلى إقصائها وإحلال العاميّة محلها.
...................
نُشر في مجلة الدوحة الثقافية، عدد مارس 2015
.png)
Comments
Post a Comment