"Feminist interpretation is a legitimate human interaction with religious text" - Interview with Dr Amany Saleh (AR)

 حوار مطوّل مع د. أماني صالح عن النسويّة الإسلامية في مصر:

التفسير النسوي تفاعل إنساني مشروع مع النصّ الديني وثمة حاجة لدعم المشروع النسوي الإسلامي العربي


أجرته منى علي علّام


المصدر: د. أماني صالح

ثمّة العديد من الأسئلة التي يمكن طرحُها على تيار "نسويّ" يلتزم بالمرجعية الإسلامية، وفي الوقت ذاته يقدّم نفسه كتيار مستقل عن التيارات "النسوية" العلمانية\التغريبية التي لا يمثّل لها الإسلام مرجعية حاكمة، وعن التيارات "الإسلامية" التقليدية التي لم تستطع التفرقة في الدين بين ما هو مقدّس وما هو بشريّ قابل للنقد والتطوير، ومن ثمّ بقت نظرة تلك التيارات لقضايا المرأة أسيرة آراء وأحكام تضع النساء كجنس في منزلة أدنى وتقيّدهن بأشكال شتى من الهيمنة الذكورية "المقدّسة"، وهي رؤية لا يمكن أن تُرضي بطبيعة الحال تيارا يؤمن بالمساواة الإنسانية الكاملة بين الجنسين، رغم الاختلاف.


بَدَت البداية مبشّرة لتيار النسوية الإسلامية في مصر على يد المفكرة د. منى أبو الفضل (1945-2008م) أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة ومؤسسة جمعية دراسات المرأة والحضارة بالقاهرة  في أواخر تسعينيات القرن الماضي، حيث اهتمّت د. منى  بتأسيس منظور إسلامي مختلف لقضايا المرأة يقوم على نقد للفكر الغربي وللتراث في الوقت نفسه، أطلقت عليه "المنظور الحضاري المعرفي لدراسات المرأة"، وذلك في إطار اهتمامها الأشمل بالرؤية الإسلامية\التوحيدية في مقابل الرؤية الغربية، معتبرة الاشتغال على قضية المرأة "بمنزلة الوقوف على ثغر من ثغور الأمة"، وأن إصلاح واقع المرأة هو أحد الشروط الأساسية لإصلاح واقع الأمة، وفي الوقت نفسه لا ينبغي لأي خطاب نسوي الانفلات عن مدار خطاب الأمة العام، إذ لا يمكن السعي لإصلاح حال المرأة  بمعزل عن تصحيح مسار الأمة.


وقد كان للجمعية نشاطها البحثي المعتبَر، الذي أنجزته مجموعة من الباحثات الأكاديميات، لا سيما من تلميذات د. منى، ونُشِر بدورية الجمعية. إلا أن صعوبات عديدة حالت دون التطوّر المنتظر للتيار طوال تلك السنوات، سواء من حيث إعداد كوادر بحثية، أو تحقيق التراكم المعرفي، لا سيّما بعد رحيل د. منى، المؤسِّسة والداعمة، وإن استمر التيار في الوجود بصور مختلفة رغم المعوّقات، بغضّ النظر عن مدى قوة هذا الوجود وانتشاره، ويبقى المستقبل دائما مفتوحا لكلّ الاحتمالات.


وإذا أردنا  الحديث الآن عن هذا التيار في مصر، حديثا مفصّلا يجمع بين التاريخ والحاضر وإمكانات المستقبل، من أجل المزيد من الفهم لفكر التيار ورؤاه وما يواجهه من معوّقات، فربما لن نجد من هو أكثر تخصّصا وحماسا من د. أماني صالح أستاذة العلوم السياسية بإحدى الجامعات المصرية الخاصة، والرئيسة الحاليّة لمجلس إدارة جمعية "دراسات المرأة والحضارة" بالقاهرة. درست د. أماني العلوم السياسية في جامعة القاهرة وتخصّصت في نظم الحكم، وقادها اهتمامها بالفكر السياسي الإسلامي إلى إنجاز رسالتها للدكتوراه عن أزمة الشرعية في مؤسسة الخلافة الإسلامية. وقد جاء اهتمامها بالفكر النسوي من خلال علاقتها بأستاذتها الدكتورة منى أبو الفضل، وكانت فكرة "القوة" كميكانيزم اجتماعي مؤسس للتنظيم الاجتماعي ولصياغة العلاقات الاجتماعية هي الرابط الذي نقلها من الفكر السياسي إلى قضية المرأة. وهي تُعنى بقضية نقد التراث ونقد الفكر الغربي في نطاق الدراسات النسوية، وقد أنجزت في هذا السياق العديد من الأبحاث منها:

* "المرأة والمجال العام في الإسلام ..نقدُ للخطاب الأيديولوجي الذكوري حول قضية الحجاب وطرح لخطاب نسوي بديل"

* "المساواة: نحو التجديد في بناء أصول العلاقة بين المرأة والرجل"

*  " الأبعاد المعرفية لنسوية إسلامية" 

* "من النكاح الى الزواج .. نحو تعريف اجتماعي للزواج في الفقه الإسلامي"

* "المرأة العربية والمجتمع في قرن.. تحليل وبيبليوجرافيا للخطاب العربي حول المرأة في القرن العشرين" - تحرير

* "قضية النوع في القرآن: منظومة الزوجية بين قطبي الجندر والقوامة"

* "المرأة المسلمة بين قرنين: الإنجازات والتحديات "

* "نحو منظور إسلامي للمعرفة النسوية"


كما تناولت في أبحاثها قضايا مثل القوامة كمفهوم أسيء فهمه وتطبيقه


 ولها في قضايا منهجية الفكر الإسلامي مجموعة من الأبحاث:

"التاريخية هل هي مدخل للاجتهاد في النص أم للخروج على النص: نموذج حامد أبو زيد"

توظيف المفاهيم الحضارية في التحليل السياسي: الأمة كمستوى للتحليل في العلاقات الدولية"

منهجية التجديد من خلال الاستفادة من بعض الاقترابات والمفاهيم والأدوات الغربية: نموذج لتوظيف الاقتراب البنائي- الوظيفي في المنهجية الاسلامية.


وقد كتبت  د. أماني مقالا بعنوان "النسوية الإسلامية كحركة فكرية"، نُشِر قبل عام على موقع مركز خطوة للتوثيق والدراسات ( مارس 2017)، وهو المقال الذي يمكن اعتباره مقالا "تأسيسيا" فيما يتعلق بتوضيح فكر التيار. حول ما طُرِح في هذا المقال من أفكار لا بد أن تثير بطبيعة الحال السؤال والجدل، وحول مسائل أخرى، يدور حوارنا معها، وهو حوار مطوّل ننشره على جزءين.


س: عرّفْتِ النسوية الإسلامية بأنها "التيار الفكري والحركي الذي يسعى إلى تحرير وإنصاف وتمكين النساء على أسس مرجعية إسلامية قاعدتها القرآن والسنة الصحيحة والاجتهاد" ، على مَن تحديدا ينطبق هذا التعريف؟ فهناك اتجاهات مختلفة في العالم تندرج تحت اسم "النسوية الإسلامية"، فهل تقصدين التيار في مصر؟ وهل يمكن بالفعل اعتباره تيارا أو مدرسة أم هو مجرد جهود فردية ما زالت بحاجة إلى تشبيك وتطوير وبلورة؟ هل يقتصر وجوده على مصر أم يمتد لبلدان عربية أخرى؟ أين يتفق وأين يختلف هذا التيار مع تيارات النسوية الإسلامية الأخرى؟ ألا ترين أن عدم وجود معيار واضح للفصل يمكن أن يؤدي إلى خلط أو يعود بالسلب على قبول اجتهادات هذا التيار مع وجود اجتهادات نسوية "إسلامية" تبدو غير ملتزمة تماما بحدود هذا التعريف، إذ تلجأ للتأويل التعسّفي للنصوص أو القول بتاريخيتها بما يجعل أفكارها  مناقضة للثوابت الإسلامية التي يؤكد تعريفك الحرص على الالتزام بها؟


ينطبق التعريف من حيث المبدأ على كل من يدور في إطاره، أي كل من يسعى لإنصاف وتحرير ومساواة المرأة من داخل المنظور الإسلامي وبالالتزام بمعاييره الصحيحة والثابتة والمنزلة وليست القائمة على تأويلات وأهواء واجتهادات بشرية.. فإذا كانت هناك اجتهادات بشرية تدّعي أن المرأة كائن أدنى مكانة من الرجل فمن المشروع تماما ظهوراجتهادات أخرى مغايرة تنصف المرأة.. لها نفس الحق في الوجود والتعبير عن نفسها.

مشروع النسوية الإسلامية داخل العالم العربي يعاني بكلّ صراحة من غياب الدعم ومن تشوّه فكرة " التنظيم" والتشبيك، خاصة مع المشكلات السياسية الراهنة التي اقترنت فيها فكرة التنظيم والدعم المادي بمخاطر التآمر الخارجي .. ونتيجة لذلك أصبح الذين يعنون بهذه الفكرة أفرادا متناثرين في شتى البلدان العربية.. عملية التشبيك والربط بينهم تعرضت للطمة شديدة نتيجة تسييس فكرة التنظيم الإسلامي مع ظهور وصعود تيار الإخوان في العمل السياسي، فأصبحت فكرة التنظيم والربط محلّ شبهة في ذاتها، فما بالك بتنظيم تيار فكري يحمل صفة الإسلامي دون تمحيص في كون هذا التيار ذا منحى تقدّمي يواجه كافة التيارات الإسلامية التي تصطبغ بسمة التقليدية والمحافظة .. ولعلّ أبرز مثال على ذلك حالة التجاهل التام التي تتخذها  بيروقراطيات تنظيمات المرأة الرسمية، سواء على المستوى المحلي أو العربي، والتي حتى لم تعنَ بمجرد التعرّف على أبعاد هذه الفكرة وما إذا كان من الممكن أن تستفيد منها جزئيّا أو كليًّا، وهذا ليس غريبا لأن البيروقراطيات دائما في حالة عداء مع الفكر. يرتبط بما سبق ويضاف إليه تخلّي الجامعات والجهات الأكاديمية عن مساندة هذا التيار الفكري وتشجيعه وإن في إطار الدراسات الأكاديمية، وهذا أمر غريب بالنسبة إلى الدور العائل الذي تقوم به مثلا أكاديميات الغرب في تطوير الأفكار النسوية، لكنّها مسألة يمكن فهمها في ظل غياب روح المبادرة والإبداع عن الحالة الأكاديمية العربية والمصرية وزحف القواعد البيروقراطية إلى العمل الجامعي.

على أي حال فالتهميش والاغتراب هو قدَر الحركات الفكرية والاجتماعية خاصة في المجتمعات المحافظة التي لم تقتنع بعد بحتمية التطوّر.. ورغم الضعف الذي تشهده مثل تلك الأفكار في بدايتها فإنه لا بد من الاعتراف بأنه يرتهن بتطورها إحداثُ تغييرات حقيقية واستراتيجية في المجتمع، هذا في العموم سواء بالنسبة للنسوية الإسلامية أو غيرها .

ومع ذلك فسمة التيار أو المدرسة لا ترتهن فقط بالتنظيم بل قد يكون التنظيم والتشبيك ضدها لأنه غالبا ما يُسفر عن تحول الحركات الفكريّة الى أيديولوجيات منغلقة على ذاتها وذات طابع قطعي دوجمائي ..التحرر من التنظيم والتشبيك يثري الحركة الفكرية..


س: لكن أيضا التنظيم والتجمّع يعطي فرصا للتطور والتراكم المدروس وفق خطة ويمنع تناثر الجهود..


التنظيم عمل حزبي وسياسي ربما يكون مناسبا لتيار نسوي حركي ينظم حملات وفعاليات و تحركات ضغط لصالح المرأة وهذه مسألة أخرى خلاف المسألة الفكرية التي هي بطبيعتها فردية. والتفاعل الجماعي فيها قائم على الجدل والعصف الذهني وهذا ما أنا معنية به.

استكمالا لما سبق، ثمة مشكلة أخرى لا بد من الاعتراف بها تعود إلى عناصر النسوية الإسلامية ذاتها، بوصفهن نساء عاديات يعشن كل مشكلات وصعوبات وطنهن..فمن جملة الأسباب التي تعطّل تطور هذه الحركة الفكرية – في ظل غياب التبنّي والدعم من أية جهة- انغماس النسويات الإسلاميات في هموم وانشغالات الحياة.

أما بالنسبة لسؤالك المتعلّق بضمانات التزام المعنيات بالنسوية الإسلامية بالمرجعيات والثوابت فهذا سؤال لا محلّ له في الحديث عن تطور فكرة أو حركة فكرية.. هل كانت قوة المرجعية الإسلامية في صدر الإسلام أو حتى الدولة الإسلامية  ذاتها ضمانا لمنع تطور أفكار يعتبرها البعض انحرافا مثل فكر الخوارج والمعتزلة والشيعة.. إلخ؟ هناك نظريات عديدة تحكم تطوّر الحركات الفكرية، بعضها يعتمد على الرشادة المتضمَّنة في التطور البشري التلقائي مثل الانتخاب الطبيعي للأفكار والبقاء للأصلح أو للأقوى، والبعض الآخر يتبنّى فكرة التخطيط والمؤامرة ويرجّح ظهور وتسيُّد الأفكار التي تدعمها قوى اقتصادية أو سياسية معتبرة.. لا أدري على أي حال كما لا يعنيني مصير الفكرة أو بمعنى أصح أنا أومن بأن الله سبحانه وتعالى سيدعم تلك الأفكار التي تحقق الصلاح والإصلاح للإنسان وللمجتمع.

بالنسبة لموقفنا من أجل ضمان نقاء الفكرة وعدم انحرافها فهذه مسألة لا نملكها لأننا لسنا بقيّمين على الفكرة..لا أملك الحق ولا يصحّ لي تعسفا – كما فعلت بعض الكتابات التي أرّخت للحركة- أن أقول من يدخل فيها ومن يخرج منها، خاصة وأنني طرف، لكني أقول من موقعي – وطبقا لتعريفي المشار إليه - إنني لا أعتبر أن النسوية الإسلامية تشتمل على هؤلاء الذين يتشككون في قيمة وقدرات المرأة ويؤمنون بضرورة جعلها تحت السيطرة حاملين الهاجس الذكوري من أن الفضيلة رهينة السيطرة على النساء وكبحهن .. هؤلاء النساء "الذكوريات" ليس من حقهن الادعاء بأنهن نسويات إسلاميات لمجرد أنهن يتحدثن عن " النساء" وعن "الإسلام"، وللأسف فإن العديد من الكاتبات المنتميات لجماعات وحركات إسلامية تقليدية ومسيّسة ينتمين لهذا التيار، هؤلاء الكاتبات يفتقرن إلى الشق الأول من التعريف وهو السعي إلى تحرير وإنصاف وتمكين ومساواة المرأة المسلمة.. على الجانب الآخر يخرج من هذا التعريف الذي نتبنّاه (ويمكن لأخريات أن يقدمن تعريفات أخرى) من يمكن أو يوصفن بـ"النسويات المسلمات العلمانيات"، فكونك مسلمة لا يعني التزامك بالثوابت والمرجعيات الإسلامية .. وكثير من المنتميات للتيارات النسوية التابعة للغرب والعلمانية المحضة هنّ مسلمات، وربما تناولن قضايا المرأة المسلمة كموضوع بحثي، لكن ليس من منطلق الالتزام بالإسلام كمرجعية ومصدر للبحث عن حلول لمشكلات المرأة المسلمة، بل كمشكلة في ذاته، بل أكبر مشكلة تواجه المرأة المسلمة، وتتمثل مرجعيات هذه التيارات في الأيديولوجيات الغربية المختلفة في الفكر النسوي.


س: إذا تحدثنا عن النسوية الإسلامية في مصر بوجه خاص وفي العالم العربي عموما من منظور تاريخي، فكيف يمكن تتبع نشأتها وتطورها؟

من موقعي الجزئي المحدود في مصر وفي الحياة أرى أن النسوية الإسلامية بتعريفها الذي أوضحناه، قد ظهرت في موجات أهمها نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من خلال نساء حركة النهضة مثل قدرية حسين، وملك حفني ناصف،  وزينب العاملية، ونبوية موسى، وهدى شعراوي.. هؤلاء اللاتي أجهدن أنفسهن لنقد فكرة الربط يين مبادئ الإسلام واستضعاف النساء وقمعهن.

الفكرة عادت من جديد بهذه المعادلة وإن بشكل أكثر عمقا وتطورا في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين على يد المفكرة د. منى أبو الفضل التي دخلت لها من مدخل معرفي وفكري عام ..من منطلق ضرورة أن يكتشف المسلمون استقلالهم عن الغرب ويعمّقوه من خلال تأصيل نظريتهم المعرفية ورؤيتهم للعالم التي تختلف اختلافا كبيرا في طرحها الإنساني عن الغرب. عنيت د. منى في البداية بقضايا فكرية عامة مثل خصائص المنظور المعرفي الإسلامي، وتحدثت عن المفارقة أو التباين بين النسقين المعرفيين الغربي والإسلامي، وعن تداعيات ذلك وتأثيراته على أنماط الحياة ومنظومات القيم.. وقد دخلت إلى قضية المرأة من هذا المدخل حيث تُعتبر هذه القضية أهم تجليات وتطبيقات تلك الفكرة. شكّلت الدكتورة منى جماعة فكرية طوّرت الفكرة ومدّت قضية استقلال الطرح الفكري المسلم عن الطرح الغربي ورفض الهيمنة الغربية في قضية المرأة إلى اتجاه آخر شديد الخطورة هو هيمنة التراث الفكري الإسلامي -والتراث هنا لا يشتمل على الكتاب والسنة بل ما دونهما من إنتاجات هي اجتهادات بشرية تاريخية وذات انحيازات ثقافية بعينها- على الخطاب الديني المعاصرالخاصّ بالمرأة، وادّعاء أن ما يقوله هؤلاء المجتهدون من آراء – مع كل الاحترام والتقدير لهم ولمكانتهم- هو الدين.. لقد انتهى هذا التطوير من تلميذات منى أبو الفضل إلى عدة نتائج مهمة: أولًا ضروة الفصل بين مرجعية القرآن والسنة كثوابت وبين آراء الفقهاء والمفسرين كمجتهدين، ثانيا أن دمغ الإسلام بظلم المرأة يعود إلى هذا الخلط، ثالثا أن إنصاف النساء يقوم على استئناف عمليات الاجتهاد في تأويل النصوص ونقد التأويلات السابقة في ضوء التحوّلات النوعية الهائلة التي طرأت على أوضاع النساء في هذا العصر، سواء فيما يتعلق بقدراتهن الثقافية أو العلمية أو أدوارهن الاقتصادية، وبصفة عامة دورهن الكبير المعاصر في توليد القيم الاجتماعية، إلى جانب دورهن الأزلي في عملية التكاثر الطبيعية.. لقد ضمّت هذه المدرسة أسماء مثل أماني صالح، هند مصطفى، عزة هاشم، منال الشيمي، فاطمة حافظ، إيمان فريد. وتقاربت مع  مفكّرات مستقلات مقدَّرات في مسألة المرأة لهن نفس الاهتمامات أبرزهن د. أميمة أبو بكر ثم في مرحلة تالية د. مولكي الشرماني.

طبعا هناك في الساحة الفكرية من خارج هذه المدرسة من عنين بالفكرة بشكل فردي ومن اقترابات مختلفة أدبية أو تاريخية أو اجتماعية، مثل د. عائشة عبد الرحمن ود. زينب رضوان.. لكنهن لم يعطين اهتماما بتأصيل قواعد ما يسمى بالنسوية الإسلامية.

   أما في البلاد العربية فتتعدد الأسماء المعنية بقضية المرأة في السعودية وتونس والمغرب ولبنان ..

يبقى أن فكرة تأصيل قواعد النسوية الإسلامية المبنية على نقد النسويات الغربية، ونقد التراث الذكوري العربي-الإسلامي، واللجوء مباشرة إلى المرجعيات الإسلامية القرآن والسنة، ترجع في الواقع حتى الآن إلى أربعة روافد مهمة تقوم بينها علاقة جدلية وليس انتمائية: المدرسة المصرية التي أشرنا إليها، والنسويات العربيات كأفراد، والنسويات الآسيويات في ماليزيا وإندونيسيا والهند، والنسويات الأكاديميات في الجاليات المسلمة العاملة في جامعات الغرب.

وأنا بالطبع لا أستطيع التحدث نيابة عن هولاء وهؤلاء، 

 لكنى من موقعي المحدد لديّ انتقادات مهمة لعمل بعضهن، خاصة النسويات الإسلاميات في الأكاديميا الغربية، تعود إلى الانحياز للمفاهيم النسوية المسيطرة في الغرب على حساب المرجعية الإسلامية، وإلى التوسع في مفهوم النسبية والتأثير الثقافي بمدّه من نطاق الاجتهادات الفكرية الموجودة في كتب التراث إلى الثوابت المتمثلة في القرآن ذاته بدعوى أن النسبية تخللت القرآن من خلال السياق الذي تمّت فيه عملية التنزيل، أو اللغة العربية التي نزل بها الوحي وما تتضمنه من انحيازات ثقافية ( كتابات آمنة ودود كمثال). نحن نختلف مع هذه الأفكار ونراها تزيّدا ورضوخا لضغوط السياق الثقافي الغربي وكولونيالية الاتجهات النسوية المعاصرة خاصة مدرسة الجندر.


س: ولكن المطّلع على أعمال د. منى أبو الفضل في هذا الإطار يلاحظ أنها لم تكن تستخدم مصطلح "النسوية الإسلامية"، وفي ورقتها البحثية المعنونة "نحو تطوير منظور حضاري معرفي لدراسات المرأة"  ذكرت أنه من ضمن الأسئلة التي يمكن أن يثيرها النقاش تلك المتعلقة بالمصطلح أو المفاهيم الأساسية: "نسوية إسلامية أم منظور حضاري معرفي لدراسات المرأة"، فهل د. منى كانت تفضّل استخدام هذا التعبير الأخير على مصطلح "النسوية الإسلامية"؟ وهل قامت مجموعة "المرأة والحضارة" باعتماد مصطلح "النسوية الإسلامية" في مرحلة لاحقة؟


أعتقد أن د. منى كانت حذرة من مصطلح "النسوية الإسلامية" في إطار اهتمامها الجمّ بالتأصيل للفوارق بين النسقين المعرفيين الإسلامي والغربي، ولكنّ استخدام المصطلح من قِبَلي ومن قِبَل أخريات راجع إلى طرح مختلف، مؤدّاه أن القضية ليست في منشأ المصطلح وإنما في ما يُعبّأ به من مضامين، وأن هذا المصطلح قابل لإعادة صياغة مضامينه في كلّ خبرة على حدة بحيث يمكن تقديم أطروحات ثقافية مختلفة، كما أن استخدام المصطلح في رأيي أفضل وأكثر تعبيرا عن قضية السعي لإنصاف وتمكين النساء من كافة المصطلحات أو العبارات البديلة.


س: ولكن هل يمكن الجمع بين المنهج أو المنظور النسوي والمنظور أو المنهج الإسلامي؟ وإن حدث تعارض بينهما لمن سيكون انحيازك كباحثة نسوية إسلامية؟ فقضية مثل المساواة المطلقة بين الجنسين على سبيل المثال لا يمكن تطبيقها في قضية الميراث مثلا، وغير ذلك من أمثلة...

ما هو المنهج النسوي الذي تعنينه؟ ما هي مواصفاته ومن الذي وضعه أو أنزله؟ وما معنى المساواة المطلقة؟ هل ثمة شيء مطلق في العالم الإنساني؟ هل هناك مساواة في الغرب بين النساء البيض والسود؟ أو بين الثَريّات والنخب من جانب وبين المنطلِقات من قاعدة اجتماعية متواضعة أو المهاجرات من العالم الثالث وأمريكا اللاتينية من جانب آخر...السؤال في حد ذاته يحمل إشكاليات منهجية..


 س: يُقصَد بالمنهج أو المنظور النسوي أن يتبنى الباحث فكرة المساوة بين الرجل والمرأة وينطلق في عمله من هذا المفهوم ويسعى لإبراز دور النساء والتعبير عن أصواتهن وتأكيد المساواة بين الجنسين، بينما المنهج أو المنظور الإسلامي يُلزم الباحث  بالتقيد بالنصّ المقدس، وهناك بعض القضايا التي يمكن أن تمثل إشكالية حقيقية هنا، على سبيل المثال لا الحصر إمامة المرأة -للرجال والنساء- في الصلاة، فمن منظور المساواة الإنسانية يحقّ لها ولكنّ الأمر مقتصر على الرجال..


المهم في قضية المرأة والرجل هو تقرير مبدأ المساواة كقاعدة في العلاقة بين النوعين، يرتكز على أسس إنسانية ووجودية، وهذا ما أقرّه القرآن الكريم بكلّ وضوح ودون لبس. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ آية 13 من سورة الحجرات.

إن الوجود الإنساني نفسه مقترن بوجود النوع، وأحد مقومات التفرقة بين المخلوق والخالق هو هذا الانقسام .. إقرار المساواة كمبدأ إنساني والتمييز كاستثناء هو الأهم.. وارتكاز مبادئ التنظيم الاجتماعي على تلك القاعدة الإنسانية الأعلى والأشمل وإعادة إصلاح منظومة القيم على أساس قاعدة المساواة واستثنائية التمييز كل ذلك يمكن أن يطرح ثورة هائلة في هذه المنطقة التي نعيش فيها والتي يتجذّر فيها التمييز بحكم تكوينها الاجتماعي القائم على الطائفية والقبلية والطبقية، وقد كان هناك سعي دائم عبر قرون لإيجاد غطاء ديني لتخليد هذه التركيبة.

الأمر الثاني أن التعمّق في الفهم ينبغي أن يقوم على عمق التحليل، ومن جملة ذلك عدم الخلط بين المساواة وبين التشابه أو التماثل، أو بين التمييز والاختلاف، وهذا خطأ كبير وقعت فيه النسويات الغربيات، فهن رغم دعوتهن إلى المساواة فإنهن لم يتمسكن بأن تكون المساواة على قاعدة الاختلاف بين النساء والرجال.. نريد أن نكون متساوين في الحقوق رغم اختلافنا في الخصائص ..وأن نحصل على المساواة على ما نحن عليه من اختلاف.. لقد انساقت النسويات الغربيات إلى الخلط بين فكرة المساواة والتشابه .. وفي اعتقادي أن ما انتهت إليه النسوية الغربية إنما كشف عن عقدة كامنة في اللاوعي تتمثل في  احتقار هؤلاء لخصائصهن كنساء وإعجابهن الشديد بالرجل وتنصيب الرجل كنموذج يسعين لبوغه، ليس في الحقوق العامة الاقتصادية والاجتماعية بل حتى في عناصره الوجودية وحتمياته الطبيعية. هذه العقدة التي تكلّلت بما يعتقدن أنه انتصار للنسوية، بالدعوة إلى السيولة الجنسية واختفاء الأنواع وتقارب الرجال من الخصائص النسوية والعكس.

   في تصوري أن ما يعتقدن أنه نجاح هو خيانة لفكرة المساواة وعجز عن تحقيقها للنوعين رغم اختلافهما.. المفاهيم المطروحة ذاتها بحاجة إلى نقاش وتحليل ونقد. نحن نريد المساواة لأننا إنسان لا نقل إنسانية عن الرجال ونقبل بعض الاختلافات في التعبير عن المساواة لأننا مختلفون في الخِلقة الطبيعية ونتمسّك باختلافنا كجنس..

ما أشرتِ إليه بشأن الحقوق المادية في الميراث وخلافه يحتاج إلى بعض التدقيق، نحن نطالب بأن تتمتع المرأة بالشخصية القانونية الكاملة وبأن يكون هناك مساواة بين الجنسين في الشخصية القانونية. لكن الشخصية القانونية تحسب بمجمل الحقوق والالتزامات معا، وليس بالحقوق فقط..  وكون الرجل يحصل على حقوق أكبر في الميراث محمَّل عليها التزامات أكبر في الإنفاق بينما تحصل النساء على حقوق أقل محرّرة من أية التزامات هو أمر لا يقلل أو ينتقص من مبدأ المساواة، بل يؤكدها رغم الاختلاف. كون الرجل يمارس إرادته المنفردة في الطلاق ويدفع ثمن ذلك في تعاقد بُنِيَ بإرادة ثنائية وأن المرأة تمارس نفس الشيء بالخلع وتدفع ثمن ممارسة إرادتها المنفردة هو أيضا أمر يؤكد المساواة ولا ينقضها، مع اختلاف التعبيرات.. العدالة هي في توزيع الحقوق والالتزامات معا وليس في تماثل شكل الممارسة..  الاتجاه الغربي المشار إليه الذي يخلط بين المساواة والتشابه أو التماثل هو الاتجاه المريض الذي يحمل في العقل الباطن اعتقادا جازما بأن الرجل نموذج وأن المرأة لتحقق ذاتها عليها أن تصبح رجلا.


س: عَلَام انصبّ الإنتاج البحثي للنسويات الإسلاميات؟ وما هي القضايا التي تشغلهن وتمثل أولوية لهن؟ هل القضايا التي عادة ما تثير الجدل مثل تعدّد الزوجات، شهادة المرأة، ..إلخ تمثّل أولوية؟ وهل ثمّة إنتاج بحثي لكنّ تناول مثل هذه القضايا؟ وما الموقف منها؟


     كل ما يتعلق بالمرأة المسلمة من قريب أو بعيد : فلسفيا وفكريا وتاريخيا واجتماعيا وثقافيا وحقوقيا .. إلخ هو مجال اهتمام النسويات المسلمات، لكن يختلف الاهتمام من مجموعة لمجموعة ومن فرد لفرد حسب التخصص وأشياء أخرى.

   بالنسبة لنا، ولأننا أصلا مجموعة فكرية، فنحن نعتقد أن التصوّرات والمفاهيم الكليّة هي الأساس ..فالفكر هو بنية ومنظومة تنداح مؤثراتها من أعلى إلى أسفل، بمعنى أن الأسس المعرفية والفلسفية هي التي تشكّل المنظومات الأدني مثل البني القيمية والحقوقية والتنظيم الاجتماعي ومعادلات القوة في المجتمع. لذلك نحن نهتم بدرجة أكبر بعدة قضايا مفصليّة أو استراتيجية تقوم عليها تلك الموضوعات الفرعية التي ذكرتِها.. فإذا حُلّت الإشكالات المتعلقة بتلك القضايا الكبرى حُلّت بالتبعية الكثير من التعقيدات والاختلاطات في القضايا الجزئية. من تلك الموضوعات: الأسس المعرفية في القرآن الكريم لقضايا النوع، تأصيل قضية المساواة، مسألة نقد التراثي والغربي وكشف الانحيازات المتضمّنة سواء في منهج الاستدلال أو في المفاهيم الأساسية... ربما يحتاج هذا الجهد بعد ذلك إلى تطبيقات وتنزيلات على القضايا الحياتية.. لكننا نقول إن القيام على هذه المنطقة بكل أسف أمر نادر في عالمنا العربي الذي يعجّ بالاستسهال والأفكارالجاهزة والمفاهيم السطحية الطيّارة. ومع ذلك فنحن بمجرد اكتمال الأفكار العامة نسعى إلى تطبيقها، فحركتنا الفكرية تتحرك صعودا وهبوطا باستمرار بين العام والخاص.


س: كيف كانت ردود الفعل من الأطراف المختلفة على الإنتاج البحثي الخاص بتيار النسوية الإسلامية في مصر؟ ذكرتِ أنه لم يحدث اشتباك حقيقي مع هذا الإنتاج وظلّ النقاش انطباعيا بعيدا عن النقد المباشر والمحدّد لما أنتجته الباحثات، فما السبب في ذلك في رأيك؟ وكيف يمكن تحقيق التراكم المعرفي للتيار؟ لماذا ظل هذا التراكم رغم كل هذه السنوات محدودا أو على الأقل لا يصل للناس على نطاق واسع؟


مشكلة التفاعل مع تيارنا الفكري لا تخصّ هذا التيار قدر ما تتعلق بالحالة الفكرية العامة في مصر و العالم العربي.. هى حالة تتسم بالوهن الفكري وبالافتقار إلى العمق، حالة اختلط فيها المفكرون بمحترفي الخطاب من كتّاب الصحف أو الأكاديميين في الجامعات.. الحالة الفكرية الراهنة هي حالة تعمل بصفة مؤقتة، تبرز خلال المؤتمرات أو الندوات العلمية وتُغلق بعدها.. بل إن كثيرا من الحضور في هذه الندوات لا يقرأون ما يُطلَب منهم التعليق عليه أو يقرأونه في عجالة لمجرد شغل الدور المطلوب منهم والدقائق التي يتعيّن عليهم الحديث فيها.. 

هناك أيضا اختلاط الفكري بالأيديولوجي،  فكثير من الناس  يتّخذون مواقف مسبقة بناء على موقفهم الأيديولوجي وموقف الآخر الذي سيشتبكون معه فكريا، فإذا كان من سأشتبك معه فكريا من نفس التيار سيكون موقفي إيجابيا والعكس بالعكس. الخلاصة أن هناك أزمة فكرية عامة تحول دون أيّ تراكم أو جدال فكري حقيقي على كافة الاتجاهات..

نحن لا ننشغل كثيرا بذلك لأنها حالة بنيوية سياقية لا يد لنا فيها .. ننشغل فقط بواجبنا، وبأن نقول، بقدر ما نستطيع، كلمتنا وما نعتقد أنه حق، وأن نجد وسيلة لتسجيل ما ننتجه وتركِه.. وعندما يصبح المجتمع مستعدّا للتفاعل أو الاشتباك معه فليفعل، الآن أو غدا .



س: تقولين إن النظرية الكبرى التي يمكن أن ينضوي تحتها الفكر النسوي الإسلامي هي إعادة فتح باب الاجتهاد، وهناك بالفعل اجتهادات معاصرة تخصّ المرأة، فلماذا لا تلقى قبولا لديكم؟ هل لا بد أن تكون النساء هنّ من ينتجن فتاوى النساء؟ وإذا كانت اجتهاداتكم توصف بأنها اجتهادات فكرية وليست فقهية فمتى نرى فقيهات ومفتيات (بمعنى دارسات للعلوم الشرعية ومؤهلات لإصدار فتاوى) يتبنين منهج النسوية الإسلامية؟ هل ثمّة أزهريات انخرطن في هذا التيار؟

ما هي تلك الاجتهادات المعاصرة التي تخصّ المرأة والتي تُحدث فرقا نوعيا وشموليا في النظرة إلى المرأة كإنسان وشريك في المجتمع والحياة والأسرة؟ تلك التي تعيد النظر في مفهوم النقص والدونية الملتصق بالمرأة.. وليس لمجرد العطف أو التعديلات الجزئيّة أو مراعاة أن بعض النساء استثنائيات.. أرجو أن تدليني على هذه الاجتهادات المعتبرة...


س: هناك فتاوى واجتهادات لفقهاء ومفكرين مثل يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي ومحمد سليم العوا وحسن الترابي والصادق المهدي وغيرهم، في قضايا خالفوا فيها التيارات السلفية والآراء التقليدية مثل تولي المرأة القضاء أو الرئاسة وغيرها من القضايا..


 بعض هذه الأسماء التي طرحتْ نظرة مختلفة للمرأة مثل الغزالي والمهدي والترابي اقتصرت على مستوى الأحكام الفقهية\الجزئية دون أن تؤصّلها على المستوى المعرفي الوجودي المتعلق بالقيمة الوجودية الإنسانية للمرأة.


 ومن ثم فإن الإحجام العام من الرجال عن تقديم تلك الاجتهادات الشمولية هو الذي دفع إلى طرح سؤال : ولماذا لا تقوم المرأة بنفسها بهذه المهمة وتغادر مقعد الانتظار إلى مضمار العمل؟ وقد أدّى بنا هذا السؤال إلى سلسلة من البحوث حول دور النساء المسلمات تاريخيا في إنتاج العلوم الإسلامية كمحدّثات وفقيهات، انتهينا منها إلى أن النكوص عن تصدّي المرأة لإنصاف نفسها من خلال الدين هو موقف سلبي غير مبرّر.

كوننا ننتج فكرا إسلاميا وليس فقها فذلك راجع إلى مجالات تخصصنا في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهذا موقف يُحسَب لنا لا علينا .

متى نرى مجتهدات فقيهات؟ عندما تتبنّى المؤسسات العلمية الإسلامية التي تخرّج العلماء منظورا اجتهاديا للفقه.. وعندما تقدّم تدريباً للنساء يهدف إلى تخريج فقيهات.. الأمر كله رهين بالمؤسسات العلمية كالأزهر والزيتونة وغيرها.



س: وصفتِ الخطاب التجديدي الإصلاحي الذي يتزعمه الإمام محمدعبده بتبنّي ذكورية معتدلة، رغم أن الشيخ كان له نظر نقدي  للتراث وتبنَّى وجهات نظر منفتحة وقدّم فتاوى تقدّمية كفتواه حول تعدد الزوجات مثلا، فما مشكلتكم مع هذا الخطاب ولماذا لا يُرضي طموحكم؟


كما سبق أن ذكرت، نحن نجلّ هؤلاء العلماء ودورهم الفكري والثقافي وما أحدثوه من تعديلات وإصلاحات عامة.. لكن ذلك لا يجعلنا نقدّسهم على العموم، وإنما ننتقد ما يستحق النقد من آرائهم .. وهذا هو موقفنا من الإمام محمد عبده في تفسيراته للعديد من النصوص التي يرى فيها المرأة مرءوسة من الرجل وأن الرجل هو الأقوى والأرجح عقلا والأحقّ بالرياسة والحكم في الأسرة (ولنرجع إلى تفسيره لآية القوامة). والتقييم الذي أشرت إليه هو نتيجة لوضع مجمل آراء الإمام بشأن المرأة جنبا إلى جنب وليس اصطياد نصّ هنا أو هناك.. ثم إنه تقييم يركّز على جانب معين في إنتاج الإمام محمد عبده وهو ذلك المتعلق بآرائه حول المرأة وعلاقة المرأة بالرجل، ولا يقيّم دوره العام في الفكر الديني.. إن النقد في النهاية لا يقلل من قيمة الشخص، فموقفنا النقدي يتعلق بالأفكار وليس بالأشخاص. والنقد من وجهة نظرنا ليس عملا عدائيّا بل هو ضرورة للحوار والجدل المؤدّي لإنتاج الأفكار ولتطوّر الإنسان.


س: انتقدتِ أيضا الخطاب الأصولي المتشدّد واتهمتِه بأنه يقدّس ويلتصق تاريخيّا وجغرافيّا بمرحلة عابرة في الإنسانية لم تكن ظروفها تسمح للمرأة إلا بحيّز محدود للمشاركة.. هذا على الرغم من إسهامات النساء في العهد النبوي وفي مراحل تاريخية لاحقة؟ ألا تمثل تلك الحقبة الأولى مرجعية أساسية لكلّ من يتخذ من الإسلام منطلَقا؟


وهل ينتمي الصحابة الأول إلى فكر أو أيديولوجية الأصولية أو السلفية أو الوهابية؟ هؤلاء وُجدوا قبل أن تبدأ الأيديولوجيات في التبلور مع الفتنة الكبرى، وجلّ تصرفاتهم انطلقت رجالا ونساءً من استبطانهم للمنهج النبوي وللخبرة النبوية، فحَسُنَ إدراكُهم للنصوص بجمعهم بين النصّ وروح النص. ويكفي أن أعظم نصوص دفاعية عن قيمة المرأة وحقّها في الاختيار والتعبير وتقرير مصيرها والدفاع عن كرامتها ترجع لنساء في هذا العصر، كما يكفي أن أعظم طرح نقدي لنصّ ومنهجية رواية الحديث يعود إلى مراجعات السيدة عائشة رضي الله عنها لروايات بعض الصحابة.

   إن الفكر الأصولي السلفي المتشدد، الذي يُهدر روح الإسلام الوسطية المعتدلة ويهدر قيمة عقل الإنسان ويهدر إنسانيته، لا بد أن يكون محلّ نقد، وهو أكثر تيار فكري يهدر الإسلام كدين منفتح يحتمل تعدّد الآراء ويحوّله إلى أيديولوجية منغلقة أحادية الرأي قطعية الاجتهاد، يضفي قدسية على آراء الشيوخ، ويقسّم الناس إلى مؤمن وكافر، ويكفّر من يقول لا إله إلا الله، وأخيرا يعطي لنفسه الحق فيما ليس من حقه بالسعي لإقامة الجزاء الإلهي على الأرض وبالحق في سلب الناس حقهم المطلق الذي أعطاهم الله وفرصتهم الوحيدة وهي الحق في الحياة.. و طبقا للتجربة المعيشة فلا مجال لتمييز نوعي بين سلفيين معتدلين وتكفيريين وجهاديين، لأن التحرّك من موقف لآخر عندهم يتوقف على فتوى الشيخ أو الأمير. إذا كان هذا هو موقفهم من الحياة والدين فلا عجب أن يكون موقفهم من المرأة هو الأسوأ في تاريخ الإسلام على الإطلاق.


س: انتقدتِ أيضا التيار الإسلامي المؤسسي المتمثل في الأزهر المتأرجح بتعبيرك بين الخطابين الإصلاحي والأصولي، ومع ذلك ثمة فعاليات مشتركة بينكما كمؤتمر "قضايا المرأة: نحو اجتهاد إسلامي معاصر" الذي عقد بمكتبة الإسكندرية عام 2014، والذي انتهى بإعلان الإسكندرية حول "حقوق المرأة في الإسلام"، فهل هو تواصل مع علماء أزهريين بصفة فردية وليس مع المؤسسة ككل؟ أم محاولة لكسب شرعية وقبول في وقت استقطاب؟ أم هو محاولة لنشر الفكرة في مؤسسة تقليدية إن كان ذلك ممكنا أصلا؟ ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الأزهر في رأيك إزاء تيار النسوية الإسلامية؟ هل هو داعم أم محايد أم خصم؟


نحن نرفض منهج التكفير وشيطنة الآخر ودمغه على العموم .. وكما قلت توجيه انتقادات لأي تيار لا تعني الإساءة اليه أو تقليل أهميته.. كل كيان بشري أو مؤسسي يعمل في إطار خبرته .. والأزهر هو الأمين على التراث الإسلامي بكل ما فيه فلا بد أن يكون محافظا... ولكنه يحتاج إلى إدراك أن القدرة على الاستمرار في هذا الزمان أصبحت تتطلب التجديد وإعادة فتح باب الاجتهاد وليس مجرد حراسة البوابة. وسيبقى أي تجديد في الفكر الإسلامي هامشيا ما لم يجد دعما من الأزهر الشريف.. ومن ثم فإننا ندعو إلى فتح منافذ أزهرية لبعث الاجتهاد استلهاما لعمل شيوخ عظام مثل محمد عبده وشلتوت وعبد الوهاب خلّاف وآخرين..هي دعوة لإحياء تراث الأزهر في الاجتهاد والتجديد وليس فقط في المحافظة.



س: على ذكر التراث، يتهم البعض تيارات النسوية الإسلامية باتخاذ موقف مسبق من التراث المتنوع يتسم بالتعميم حين يُحكَم عليه كله بالذكورية، فما الموقف من التراث ومن المناهج التراثية؟ ألا توجد في رأيكم جوانب مضيئة في التراث يمكن البناء عليها فيما يتعلق بقضايا المرأة؟ والاجتهاد الذي تذكرينه هنا يطال أصول الفقه وأدوات الاستنباط المتعارف عليها أم يركز على المنتج فقط المتمثل في الأحكام الفقهية المرتبطة بعصرها مع الالتزام بنفس الأصول؟


ليس هناك موقف مسبق من التراث هذا تراثنا لأننا جزء من هذه الثقافة ونحن نقدّر هؤلاء الناس ونتعبّد وندير أمورنا بما صنعوه من اجتهادات  ولكننا لا نعبدهم أو نقدسهم.. وهذا هو الموقف الإسلامي الصحيح.. 

حين نأتي إلى قضايا المرأة نعجب لبعض النتائج التي انتهوا إليها .. وإذا اعتبرنا أن تأثرهم في  استنباطاتهم بثقافة مجتمعاتهم التاريخية أمر طبيعي لا يستدعي إدانتهم على العموم، فإنه يحق لنا  مناقشتهم وطرح رؤى مختلفة تقرأ النص المرجعي من ثقافة مغايرة.. إن كل المنتج البشري هو منتج ثقافي نسبي وقراءة غير محايدة.. ومن ثم فنحن نريد أن نطرح قراءة تعبر عن عصر مختلف.. 

إجلالنا مثلا لمفسّر وعالم مقدّر كالرازي لا يمنعنا أن نقف ناقدين لتفسيره نصّا يؤكد على إنسانية وترابط النوع الإنساني وقوة اللُّحمة بين عنصريه، بينما يفسّره هو على نحو شديد الانحياز والحطّ من المرأة .. انظري تفسيره الوارد في "مفاتيح الغيب" للآية 21 من سورة الروم والتي يقول الله تعالى فيها" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" 

والذي يقول فيه " قوله : { خَلَقَ لَكُمْ } دليل على أن النساء خلقن كخلق الدواب والنبات وغير ذلك من المنافع ، كما قال تعالى : { خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض } [ البقرة : 29 ] وهذا يقتضي أن لا تكون مخلوقة للعبادة والتكليف فنقول خلق النساء من النعم علينا وخلقهن لنا وتكليفهن لإتمام النعمة علينا لا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيهه إلينا وذلك من حيث النقل والحكم والمعنى ، أما النقل فهذا وغيره ، وأما الحكم فلأن المرأة لم تكلف بتكاليف كثيرة كما كلف الرجل بها ، وأما المعنى فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة فشابهت الصبي لكن الصبي  لم يكلف فكان يناسب أن لا تؤهل المرأة للتكليف ، لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب فتنقاد للزوج وتمتنع عن المحرم ، ولولا ذلك لظهر الفساد

كيف يمكن لأي إنسان يقرأ الآية وما تنطوى عليه من فضاءات هائلة من الحب والرحمة وتكريم الإنسان أن يقبل هذا التفسير؟! هذا مجرد نموذج لتفسيرات عديدة  للآيات المتعلقة بالنساء، كما أنه اتجاه نجده في العديد من الاستنباطات والآراء الفقهية التي هي محلّ نقدنا.. لكننا لا نتربص بالفقه بل نبحث عن النقاط المضيئة فيه ونبرزها ونعمل عليها مثل بعض الاستنباطات الخاصة بالطبري في مسألة ولاية المرأة وغيرها. 


أمّا ما يتعلق بسؤالك حول المسألة المنهاجية فنضطر أحيانا إلى التطرّق لها بصورة نقدية عندما نلاحظ مثلا أن المفسر قد وصل إلى هذا الرأي لأنه لم يُعمل قاعدة أو ضابط معيّن كان من المفترض أن يفعّله في هذه النقطة لكن عدم تفعيله أدّى به إلى رأي معين... فالنقد المنهجي يقود بدوره إلى البحث في قضية منهجية الاستدلال وكيف نشأ منها الانحياز خاصة مع شيوع النصوص المنحازة ضد المرأة في خطاب التفسير.



س: إذا كان من بين أهداف النسوية الإسلامية تقديم قراءة جديدة للنصوص الدينية تُنصف النساء، فما الضمان أن تأتي هذه القراءة متوافقة فعلا مع أصول التفسير والفقه والحديث، وليست منحازة "نسويّا" كما يُتّهم التراث بأنه "ذكوري"، أو يمكن أن يجري ذلك بتبني مناهج غربية لقراءة النصوص والقطيعة مع المناهج التراثية، حيث انتُقدت إسهامات قدّمتها بعض اتجاهات النسوية الإسلامية واتُّهمت بأنها "تأويل نسوي للقرآن" على غرار التأويل النسوي لنصوص الإنجيل وهو منهج ظهر في ظروف تاريخية خاصة بالتجربة الحضارية الغربية، دون الأخذ في الاعتبار الخصوصية الحضارية الإسلامية وقواعد التفسير والتأويل المعتمدة، مما أدى إلى الوصول لنتائج تخالف ما استقرت عليه المنظومة الفقهية والتجربة التاريخية الإسلامية.. ذلك ما تناوله على سبيل المثال د. حسن الشافعي في إحدى دراساته المنشورة في مجلة االمسلم المعاصر تحت عنوان "حركة التأويل النسوي للقرآن والدين"


 ( التوافق مع أصول التفسيروالفقه والحديث) ( الخصوصية الحضارية الإسلامية) ( مخالفة ما استقرت عليه المنظومة الفقهية والتجربة التاريخية).. كلّ هذه العبارات الفضفاضة تحتاج إلى تحليل نقدي .. فهي من الناحية الوظيفية تستخدم كأعلام حمراء وترسانة ردع لأي مجتهد ولغة استعدائية ضد أي تغيير ..  "أصول الفقه والتفسير والحديث" هي منهاجيات مفتوحة تحتمل إضافة المزيد من الأدوات أو تحسين الأدوات القائمة وليست مقدّسات .. وأولى بالأزهر وغيره من المدارس العلمية أن يفتح الباب أمام التطوير المنهاجي واضعا في الاعتبار أن أصول الاستدلال المنهاجي الموروثة استفادت في البداية من مناهج الاستقراء المنطقي عند اليونان ( الاستقراء الكامل والاستقراء الناقص).

أما بالنسبة لـ" الخصوصية الحضارية الإسلامية" فإن الحفاظ عليها ليس بالاقتصار على الماضي وإنما بأن تكون خصوصية حضارية نشطة حيّة متطورة تحتوي الأجيال الجديدة وتقنعهم وتضمّهم تحت جناحيها ولا تفقد الملايين من الشباب المندفعين نحو الغرب شكلا وفكرا وقيما وممارسة لأن الكبار فشلوا في احتوائهم داخل ( الخصوصية الحضارية).

مخاوف أو اتهامات التفسير النسوي لا يمكن نفيها ولكن هذا ليس اتهاما، إن كل إنسان وعى أو لم يعِ ينطلق في تفسيراته من خصوصية خبراته .. لسنا آلهة.. أن نعبر عن رؤية نسوية أو قراءة نسوية للدين ليس أمرا مرفوضا .. فهذا فكر نسبي أولا وأخيرا، وهو نتاج  تفاعل إنساني مع النصّ، وتبقى المرجعية هي الثابت والحكم وأساس التقييم  .. والمرجعية الثابتة من وجهة نظري ليست الفقه أو التفسير وإنما القرآن الكريم والسنة الصحيحة .. ونحن نرفض أيّ توسع في المرجعية إلى أيّ منتج بشري.  وبالنسبة للدين فإن احتمالات الخطورة المزعومة التي يحملها التفسير النسوي الذي يقول ويؤكد أنه وجهة نظر وخبرة إنسانية نسبية ومجرد قراءة للنصّ، لا تقارَن بالتفسير الذكوري المنحاز الذي يدّعي لنفسه الموضوعية التامة والعصمة وأنه تفسير نقيّ للدين ولا يدرك أو يعترف بحقيقة انحيازه .. رجل الدين الغيور على دينه  هو الذي يخشي على دينه من كلّ الانحيازات ومحاولات الاستقطاب والسيطرة والاستيلاء أيا كان مصدرها، حتى لو كانت انحيازا لجنسه.

 س: الغاية من جهود النسوية الإسلامية كما تقولين خلق "برادايم" جديد خاص بالمرأة ينطوي على تغيير القيم والمنظورات المتعلقة بتعريف المرأة ودورها ومكانتها، فما خصائص أو مقومات هذا "البراديام" أو النموذج الجديد الذي تسعون لإيجاده؟


هذا السؤال ينطوي على نوع من المصادرة على المطلوب. فالإجابة عليه هي مشروعنا الحياتي الذي نعمل عليه.. هي مشروع النسوية الإسلامية ذاته الذي قد نكمله أو يبقى ليكمله جيل أو أجيال من بعدنا.. نحن أيضاً لا نتحرك بثوابت سابقة التجهيز ونعمل على تفصيل و"تقييف" المصادر الإسلامية تبعا لها.. 

هناك قضايا عملنا على اكتشاف موقف الإسلام منها مثل قضية المساواة، والنوع .. ومسائل أخرى كليّة لها انعكاساتها المباشرة على قضية المرأة مثل " مفهوم الحق".. نتحرك صعودا وهبوطا بين الجزئي والكلي وبين الكشف والتأسيس ونقد ما هو قائم مثل موقف الخطابين الفقهي والتفسيري من مفاهيم القوامة والزواج والطلاق.. نحاول كشف ما وراء القواعد والأحكام الجزئية مثل منطق أو خصائص الاقتراب القرآني من قضايا المرأة وعلاقتها بالرجل ومؤسسة الزواج، ومثل خصائص الاقتراب النبوي من قضية المرأة وما يطرحه من إشكاليات منهاجية  كالمفارقة بين السنة الفعلية للرسول عليه الصلاة والسلام ومرويات الحديث.


س: إذا كانت مرجعية النسوية الإسلامية القرآن والسنة والاجتهاد فما الموقف من اتفاقيات دولية خاصة بالمرأة مثل "سيداو" التي يعتبرها كثير من النسويات في مصر والعالم العربي مرجعية أساسية؟ وهل هناك إنتاج نقدي من جانبكم للطرح النسوي الغربي؟


مرجعيتنا هي القرآن الكريم والسنة الصحيحة . أما الاجتهاد فهو مرجعية أداتية كمنهج وليس كاجتهادات معينة. خلاف ذلك فكله فكر خاضع للتقييم والنقد .. وإذا كان إنتاجنا التراثي خاضع للنقد فمن باب أولى انتاج غيرنا خاضع للنقد بدوره، في برامجه وسياساته ومبادئه وافتراضاته الضمنية.

نحن لا نتخذ موقفا عدائيا مبدئيا من الفكر الغربي، ونستعين بكثير من مفاهيمه ومنهاجياته المفيدة مثل تحليل الانحيازات الثقافية للفكر على أساس مبدأ اجتماعية المعرفة، لكننا لا نقبل تقديس هذا الفكر .. وننتقده خاصة في مسألتين خطيرتين: الشطط في تطبيق بعض المبادئ مثل فكرة التشكّل الاجتماعي للأفكار التي انسحب تطبيقها في قضية النوع من مسألة توزيع الأدوار الأسرية والأعباء إلى فكرة النوع نفسه وممارسة أدوار الرجل أو المرأة وهو منحى خطير وتدميري. الأمر الثاني هو نزعة الهيمنة وسحق الآخر والرؤى الثقافية المغايرة لنسويات العالم، وهذه النزعة تمثل امتدادا للفكر الاستعماري الغربي والعنصري والتمحور حول الذات الغربية وتصوّر أن ما يقدمونه من حلول وصيغ اجتماعية هو الأفضل والأرقي للجميع، ثم وبناء على ذلك الاستقواء بالسلطة الغربية وهيمنتها العالمية، خاصة من خلال الأدوات الدولية مثل المنظمات (المسماة بالدولية والتي هي أبعد ما تكون عن التمثيل المتوازن للعالم)، ومحاولة فرض ذلك بالاستعانة بآليات وأدوات سياسية مثل تصعيد عناصر موالية في تلك المؤسسات وتشكيلها البيروقراطي، أو خلق وتدريب وتلميع رموز تابعة من العالم الثالث وادّعاء أنها تمثل ذلك العالم بينما هي في الواقع امتداد للمستعمر القديم الجديد.


س: في معرض حديثك عن الحركات النسوية العلمانية قلتِ إنها تتبنى خطابات نخبوية، رغم ما تقوم به  الجمعيات النسوية العلمانية من نشاط على الأرض لتحسين أوضاع النساء؟ أين ممثلو النسوية الإسلامية من هذا الجانب؟ هل ثمة مؤسسات حاضنة وناشطون أم الأمر يقتصر على التنظير والإنتاج البحثي؟ 


السؤال الأصحّ هو كم نسبة الجمعيات الخدمية وتلك الفكرية؟ 99و99% جمعيات خدمية سواء كانت تعمل من منظور علماني أو إسلامي أو من لا منظور! ونادرة هي تلك الجمعيات التي تعمل على الجانب الفكري. الأغلبية الساحقة التي تعمل في الجانب الخدمي تجد لديها موارد إما من الداخل أو من الخارج. أما الجمعيات الفكرية الخالصة فلا موارد لها سواء كانت علمانية أو اسلامية.. لماذا هذا الاختلال؟ لأن الداعم الغربي لا يرى مصلحته في قيام تيار علماني نسوي مستقل عنه وإنما يدعم من يعمل في إطار مفاهيمه وبرامجه.. الداعمون الإسلاميون أيضا هم غالبا من التيارات المحافظة ويدعمون الجمعيات التي تعمل في إطار فكرهم المحافِظ للأسرة دون العمل على تغيير أو إعادة التوازن إلى معادلة القوة الموجودة داخلها لصالح إنصاف المرأة.


س: لكن من الممكن أيضا أن تحمل الجمعيات الخدمية أيديولوجية أو توجهات مبطّنة بحكم جهة التمويل، ربما لا يظهر ذلك بصورة مباشرة لكن هناك بالفعل أفكار يتم نشرها من خلال الأنشطة الخدمية، نعم جمعية "دراسات المرأة والحضارة" هي جمعية فكرية بالأساس، ولكن بغض النظر عن هذه الجمعية تحديدا، سؤالي عن وجود النسويات الإسلاميات ونشاطهن على الأرض والتواصل والاشتباك المباشر مع مشكلات النساء بما يسمح من ناحية بتطوير أفكارهن ومن ناحية أخرى بنشر هذه الأفكار بين النساء في فئات وطبقات ودوائر بعيدة عن دوائر الباحثين والمثقفين، هل التيار مقتصر على الأقل في هذه المرحلة على الجوانب الفكرية؟ أو ربما هومضطر لذلك لغياب التمويل..


مجموعة دراسات المرأة والحضارة معنيّة بالمستوى الفكرى لطبيعة تكوين باحثاتها.. نقل هذه الأفكار إلى برامج وخطط تنفيذية هذا مستوى آخر من التعامل يتطلب إعدادا آخر وقدرات مختلفة أهمها القدرة على فهم وتبسيط الأفكار المجردة ثم تحويلها إلى برامج تنفيذية بناء على معرفة أيضا بالمشكلات الواقعية.



س: وماذا عن الوضع الحالي لمؤسسة دراسات المرأة والحضارة التي أسستها د. منى أبو الفضل في أواخر التسعينيات وتشغلين الآن منصب رئيسة مجلس إدارتها ؟ كان هناك دورية تصدرها الجمعية حوت أعدادها الثلاثة المنشورة على موقعها أبحاثا مهمة ربما لو استمرت لحققت تطورا ملموسا عبر هذه السنوات لكنها توقفت.. إلى أين وصلت مدرسة د. منى أبو الفضل بعد هذه السنوات؟


للأسف الجمعية خسرت برحيل الدكتورة منى أبو الفضل، إلى جانب الخسارة الفكرية والإنسانية، الداعم المالي الشخصي الأول، ومن ثم افتقدت إلى الموارد التي تحتاج إليها لتنظيم المؤتمرات وعمل الكتب والدوريات ودفع تكلفتها.. لكننا واصلنا إنتاجنا الفردي كمدرسة فكرية عبر كل ما أتيح لنا من قنوات ونوافذ وسنواصل ذلك.


س: إلى أي مدى برأيك يمكن أن يحظى تيار النسوية الإسلامية بالقبول سواء من جانب تيارات النسوية العلمانية أم من الجمهور العام؟ وهل هناك نقاط التقاء وأرضية مشتركة يمكن أن تجمع التيارات النسوية ذات المرجعيات المختلفة ؟ هل ثمة تواصل بينكم وتعاون؟  أيمكن للنسويات أن يحققن ما فشل فيه السياسيون في العالم العربي من العمل المشترك بين الإسلاميين والعلمانيين؟ 


يمكن أن يحدث هذا التلاقي -وهو يحدث-  بشروط: أولها  التخلي عن الأيديولوجيا من الطرفين: الإسلام بالنسبة لنا هو دين داخله مجال هائل للتنوع والاختلاف وهو في حالة حوار دائم مع الإنساني العام، هذه هي الروح التي فهمناها من القرآن، وليس تأويلا فكريا معينا أو وجهة نظر معينة في الدين نسعى إلى فرضها على المجتمع والحكم عليه بها، ومن الجانب الآخر فالعلمانية تصبح فوق الأيديولوجيا عندما لا تُدِين أو تسفّه الخيار الديني، وعندما تعترف بأن الدين هو جزء مهم وأساسي من ثقافة المجتمع، وأنه كلما تم ترشيد الديني وتأكيد البعد الإنساني فيه فذلك يستدعي الدعم لأنه سيؤدي إلى إصلاح المجتمع وترشيده.. وفق هذه الشروط من انفتاح فكري وتعالٍ على الأيديولوجيا واشتراك في قضية إصلاح وترشيد المجتمع كان ويمكن أن يكون الحوار مثمرا ورائعا بيننا وبين النسويات العلمانيات.

 أنا أعتقد أن تغوّل السياسيّ وما أوجده ذلك من حالة استقطاب إلى جانب ثقافة التعميم والتسطيح السائدة في عالم التواصل الاجتماعي المتعاظم المساحة هو السر في حالة الإفقار الفكري الراهنة، ومن ثمّ فإن تنحية السياسي جانبا إلى منطقته الطبيعية، وتعظيم ما يجب تعظيمه من علاقات إنسانية، وإعطاء أولوية لما هو استراتيجي مثل الإنتاج الفكري، هو ضرورة لبعث الدماء في عروق فكرنا الناضبة.. ونحن فيما بيننا كمجموعة صغيرة.. مجموعة "المرأة والحضارة".. نمارس ذلك، فنحن مختلفون تماما من الناحية السياسية لكننا متقاربون فكريّا لأننا ننحّي السياسي جانبا.


س: من وجهة نظرك ما هي التجارب الجديرة بالانتباه والدراسة وربما المحاكاة أو الاستلهام فيما يخص النسوية الإسلامية، سواء في العالم العربي (ما رأيك في تجربة المغرب مثلا؟) أو الإسلامي غير العربي؟


  أغلب التجارب الجديرة بالعناية والتي تتيح الفرصة لتمكين النساء في العالم العربي هي تجارب تركّز على الجانب العملي الواقعي وحركة الحياة واتساع دور النساء واقعيّا بعد مرور أكثر من نصف قرن على الخروج إلى التعليم والعمل والمشاركة الواسعة في الحياة العامة... كثير من تلك التجارب لا تلقي بالا أو لم تعد تلقي بالا أو تنتظر تطوّر الخطاب الفقهي.. وبالمناسبة مصر في طليعة هذه الدول التي تشهد وتيرة عالية من التطوّر التلقائي الواقعي لوضع المرأة الذي لم يعد ينتظر الرأي الفقهي.

لكن ما نقوله إن تغير السياق والواقع وتحسّنه بالنسبة لتمكين المرأة دونما تأسيس قوي لموقف الدين ورؤيته للمرأة يجعل هذه التطورات مهما كانت مبهرة تطورات هشّة غير مستندة إلى أسس صلبة وينقصها عناصر الاستدامة.. إذ يكفي أن تحدث موجة من موجات التدين السلفي   - أقول التدين وليس الدين الحاضر دائما- على النحو الذي اجتاح العالم الإسلامي منذ مطلع السبعينيات متّشحا بالأيديولوجية الوهابية المتشددة مدعوما بقوى مالية نفطية هائلة في النشر وتشغيل العمالة والموادّ الإعلامية .. يكفي أن تحدث مثل هذه الموجة المؤسسة فكريا لتطيح بأي تطورات واقعية خاصة بالمرأة غير مستندة الى أسس فكرية إسلامية صلبة، وتجعل آلاف وملايين النساء المتدينات يعدن إلى المنازل أو يرين أنفسهن عورة لأن ممارساتهن النشطة في الحياة والمجال العام لم ترتكز على اجتهادات فكرية قوية وراسخة.

بالنسبة لتطورات المغرب العربي فنحن نحمل لها كلّ التقدير لكنها أيضا ليست فوق المراجعة والنقد. في نظري هناك ثلاثة تيارات فكرية مهمة في المغرب العربي (من منظور التأصيل الإسلامي لقضية المرأة): تيار معرفي يتناول كليّات الإسلام وإعادة النظر في البنية الكلية للعلوم الإسلامية، وهو ناشط وأكثر تطورا من مثيله في المشرق العربي بحكم تأثره بالاحتكاك القوي بين المغرب العربي وفلسفات الغرب، هذا التيار له إسقاطات إيجابية غير مباشرة على المرأة بحكم نزعته الإنسانية، لكنه يعاني إما من الطابع الفردي، أو من اجتياح السياسة والوقوع في براثنها. التيار الثاني هو الاجتهادات "الدولتية" في مجال المرأة إن جاز التعبير، أي الاجتهادات التي تقوم بها الدولة من أجل دعم تشريعاتها الخاصة بالمرأة وتأسيسسها إسلاميا خاصة في المغرب. هذه الاجتهادات تقع بين مطرقة الضغوط المؤسسية الغربية العاتية وسندان الثقافة الإسلامية في دولة يقف على رأسها أمير للمؤمنين.. ومع تقدير محاولة التوازن بين الاثنين فأنا أرى أن محاولة دعم بعض التشريعات المدفوعة غربيّا بتأسيس إسلامي اتسمت أحيانا بالشطط والافتعال أو التسرع. الاتجاه الثالث هو اتجاه النساء المتعلّمات دينيا والناشطات خاصة في المغرب أيضا، وغالبيته يقع ضمن تيار الإخوان المسلمين، لكنّه وبحكم انفتاح المغرب على الغرب أكثر استنارة بمراحل من مثيله في مصر، لكنى أرى أنه في النهاية اتجاه محافظ لا يريد أن يغيّر في الاتجاهات العامة للمدارس الفقهية، واجتهاداته جزئية لا تتعلق بالاقتراب أو المنظور.

ربما نحتاج إلى دراسة تجارب أخرى أقل بروزا لكنها كما نسمع ونقرأ لماما أحدثت تطورات اجتهادية مهمة في مسألة الموقف الإسلامي من المرأة .. يشار هنا إلى تطورات في بعض الأحزاب الإسلامية في كردستان العراق.. لكني لست ملمة بتفاصيل ومدى هذه الحركة الاجتهادية.




س: كيف أثّرت وتؤثر التغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة في تطوّر التيارات النسوية بوجه عام والإسلامية منها بوجه خاص؟ سواء الثورات فيما مضى أو التغيرات الحالية التي تشهدها دولة كالسعودية التي طالما نظر إليها كمنبع للوهابية والفكر السلفي المتشدد، إلى أي مدى يمكن أن تصب الإجراءات الجديدة التي تتخذها حاليا في صالح التيارات النسوية؟


الثورات العربية أدت الى دعم وجود المرأة في الواقع.. وعلى الأرض، وبحسبة بسيطة فإن من تجاهل النساء ضحى بجانب كبير من الدعم ومن وعى بدورهن استفاد من هذا الدعم..

إن جزءا كبيرا من السياقات الإيجابية و المواتية لتغيير الأفكارالخاصة بالمرأة في الوقت الراهن لا تستند إلى تحّولات فكرية حدثت لدى القوى الفاعلة في مسألة المرأة قدر ما تستند إلى التغيرات الواقعية التي تحدث على الأرض وتجبر الجميع على مواكبتها أو اعتبارها.. ونحن نعيش حاليا في العالم أجمع مجتمع "ما بعد النسوية" هو مجتمع تصبح فيه كثير من قيم الثورة النسوية قيما ومفاهيم مستقرة وشائعة وممارَسة في الواقع من النساء بشكل تلقائي ولا تحتاج لمزيد من الجدل والإثبات، مثل قيمة المرأة وكرامتها وحقها في التعليم والعمل والتعبير عن رأيها والدفاع عنه وقيمة المساواة... هذه القيم عند الجيل الجديد هي من طبيعة الأشياء ولا تحتاج إلى نضال أو إثباتات كما كانت لدى الجيل الأول من المناضلات في سبيل حقوق المرأة .. مثل هذا السياق التاريخي يصب يصفة عامة لصالح مزيد من الجهد ويمهّد الطريق لمزيد من الإصلاح على الصعيد الفكري الذي لا بد أن يدعم ويكرّس مكتسبات النساء في الواقع ويمده بالأسس والأسانيد.



س: أخيرا د. أماني، كيف ترين مستقبل النسوية الإسلامية في مصر والعالم العربي؟ ذكرت أن  جهود النسوية الإسلامية حتى الآن تبشّر بتأثير عميق في الثقافة الإسلامية يتجاوز حدود قضية المرأة، على أي أساس هذا التفاؤل رغم الصعوبات التي يواجهها التيار، سواء الخارجية أو التي هي من داخل التيار نفسه، ورغم قوة وانتشار الفكر السلفي في مجتمعاتنا وعدم قدرة تيارات إسلامية أخرى على الوصول إلى قاعدة جماهيرية عريضة كالتي يصل إليها، وفي نفس الوقت هناك وجود  قويّ للتيارات التغريبية، مع حالة عامة من السيولة الفكرية والثقافية؟ 


هذا التفاؤل أساسه هو حركة التاريخ ذاتها .. تقول حركة التاريخ إنه رغم مقاومة القوى المحافظة وسعيها للحفاظ على مكاسبها بكل السبل فإن  أبناء هذا العصروما يليه سيتمكنون في النهاية من انتزاع حقهم في الإمساك  بمقدّراتهم وحقهم الأصيل في التعامل العقلي والاجتهادي مع القرآن والسنة لإنتاج نموذجهم الذي سيحاسبهم الله عليه، مهما حاول المحافظون أن يقدّسوا اجتهادات السابقين الذين اجتهدوا لزمانهم وأدّوا ما عليهم.. ويدعم هذا التفاؤل ما نراه حاليّا من بوادر تبشّر بافتقاد القوى المحافظة المتشددة لعناصر القوة المادية التي تمثّل جانبا كبيرا من مصادر قوتهم وانتشارهم. ربما تجلّى ذلك في إدراك قوة اقتصادية كبرى كالسعودية كانت هي الداعم المعنوي والمالي الأعظم للتيارات السلفية.. إدراكها لجسامة خطورة هذه التيارات على فكرة الحياة الإنسانية ذاتها وتطوّرها الطبيعي وعلى الدين الإسلامي.. ودعمها لفكرة الانفتاح على العالم وعلى التيارات الوسطية والمعتدلة .. هذا التحوّل في موقف الدولة السعودية وأغلب دول الخليج كفيل بنزع مصادر قوة هائلة من التيارات السلفية بأجنحتها الفكرية والعنيفة على السواء. وبعيدا عن الموقف السياسي أو الدوافع من وراء تلك القرارات والإجراءات، فأنا معنيّة  بالأثر العملي المترتب عليها وهو دون شكّ إضعاف المعسكر السلفي المتشدد في المملكة والعالم العربي بأسره، وإفساح المجال أمام تحوّلات وتطوّرات اجتماعية طالما عُوّقت وتراكمت دون إفصاح وتنفيس، لكي تعبّر عن نفسها، ومن ضمنها الاعتراف بالوجود المشروع للمرأة في المجال العام وإنهاء حالة الفصل العنصري هناك.


        كلمة أخيرة وصادقة : على القوى المحافظة والمتشددة في كافة مواقعها، في مجالس العلم أو على الشاشات أو المواقع الإلكترونية أو في ساحات القتال، أن تدرك – لو أعملت ضميرها وتخلّت عن تعاليها-  أنها ستتحمل أمام الله أوزار ملايين الشباب وأبناء الثقافة الإسلامية الذين يتخلّون عن دينهم نظريّا أو عمليا وينسحقون أمام النموذج الغربي أو النماذج الأخرى الناجحة للحياة التي تحقّرها تلك القوى .. لقد خلق الله تعالى الحياة لكي يحياها الإنسان المسلم ولا يتوقف عن حلّ معضلاتها، وخلق الدين ليهدي الناس في الحياة، وليس ليسوقهم إلى الموت والتعاسة والعبودية.

...................

نُشر في مجلة ميم الإلكترونية على جزأين في إبريل/مايو 2018






Comments