في رثاء شركة "ستـيـا" للغزل والنسيج بالإسكندرية
منى علي علام
شركة ستيا فرع الحضرة - باب العمال
(في أول لقاء)
احتفاءً بعرَق الآباء، هذا النصّ إهداء إلى والدي
"الله يرحمك يا ستيا.. كل ما اعدّي أقول
الله يرحمك يا ستيا.. زي بني آدم مات" هكذا عبّرت السيدة التي كانت تمر أمام
الشركة، مشيرة إلى منتجاتها التي كانت تشتريها حتى وقت قريب من مفروشات وملابس
قطنية، وإلى سورها الخارجي المهدّم "بُصِّي الطوب.. تقعد مليون سنة".
وبينما كنت ألتقط بعض الصور لموقع الشركة الذي أصابه التخريب قال أحد المارّين من
ورائي بصوت عال يملؤه الحسرة "صوّري.. صوّري الخراب..". وقالت سيدة
ستينية من أبناء المنطقة تبيع الحلوى في كشك بالقرب من سور الشركة إنها بكت أثناء
إخراج الماكينات. ولم تكن الشخص الوحيد الذي تحدث عن بكائه وهو يرى ما آل إليه وضع
الشركة، التي كانت على مدار عقود وأجيال لا تنطفيء أنوارها ولا تكفّ آلاتها عن
الدوران ليل نهار، وكان الآلاف من عمالها -وهو
العدد الذي تناقص مع سياسات الخصخصة
وتدهور الصناعة - يملأون الشارع والترام المقابل يوميا في مواعيد خروج الورديات
الثلاث التي يصاحبها إطلاق "سارينة" يعرف أهالي المنطقة صوتها جيدا: في
السابعة صباحا (موعد خروج الوردية الليلية) والثالثة عصرا (الوردية الصباحية)
والحادية عشر مساء (الوردية المسائية).
من مصنع نابض بالحياة إلى مرتع لبلطجية
الخردة
حاليا، بات موقع الشركة ذي المساحة الهائلة والممتدة
عبر شارعين مرتعا لمن يوصفون بـ"بلطجية الخردة"[1]،
وتلاشى ضجيج الآلات وأصوات العمال التي استمرت على مدار أكثر من خمسة وسبعين عاما لتحل
محلها دقّات أدوات هؤلاء، وكثير منهم مراهقون وبينهم أطفال، يحاولون استخراج قطع
حديد أو أخشاب وكل ما تبقى في المباني، يقفزون من السور فرادى ومجموعات، وقد تجد أحدهم
يخرج من ثقب كبير أسفل أحد الحوائط بعد أن ملأ شواله، وآخر يُنزل الألواح الخشبية
من دور علوي ليتلقاها من أسفل مساعدوه، وغيرهم ينتظرون توكتوك ليحمّلوا عليه ما
جمعوه.. "بتتفرجي على إيه؟ ما خلاص ما بقاش فيها حاجة" قال لي طفل لا
يتجاوز عمره الثماني سنوات، قبل أن ينطلق للداخل ليلحق برفاقه وبين إصبعيه سيجارة.
ثمة ثقوب كبيرة في السور الخارجي للشركة وفي حوائط المباني حتى الأدوار العليا، وبعض
أجزاء ضخمة من الجدران مكسّرة وملقاة، بينما الركام
يملأ أرضيات عنابر المصنع الخالية شديدة الاتساع.. ولا يزال -حتى حين- منتصبا عمود
أفقي بأحد الأسقف كُتب عليه بخط منمّق "وقل اعملوا فسيري الله عملكم ورسوله
والمؤمنون".
د. ميرْهان دَمير المدرّسة بقسم العمارة بكلية الفنون الجميلة جامعة
الإسكندرية وعضوة اللجنة العالمية للحفاظ على التراث الصناعي (TICCIH) قالت
إن العمل بالمصنع قد توقف الصيف الماضي وذلك أثناء تنفيذ إحدى الطلبيات، وتم فرز
الآلات ليُنقَل بعضها لشركات صديقة مثل شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، ويباع
البعض الآخر كخُردة. أما العمال فسيُنقلون إلي شركة مصر للغزل والنسيج وصباغي
البيضا بكفر الدوّار. وذلك حسب ما أفادها عمّال بالشركة تصادف وجودهم أثناء
زيارتها الميدانية للموقع.
ومن خلال مشاهداتها هناك قالت إن بلطجية الخردة هؤلاء مجموعات منظمة
بأعداد كبيرة تتجاوز العشرات، ينتقلون للموقع بمعداتهم في عربات تروسكل أو كارّو،
ومنهم مسلحون يقفون بأسلحة بيضاء (سيوف) فيما يشبه الكردون، بينما يقوم زملاؤهم
خلفهم بفك الإطارات المعدنية للنوافذ والأرضيات الرخامية وكل ما يمكن أخذه وبيعه، مما
يؤدي لتخريب متعمد للمبنى من حوائط وأسقف، وإنها لم تلتقط صورا لهم تجنبا لتعرضهم
لها. وقالت إنه من الناحية المعمارية، وبالرغم من متانة أي مبني وجودته الإنشائية،
يمكن إحداث هذا القدر من التخريب باستخدام أدوات كشاكوش الهدم اليدوي مع قوة
بدنية. وأضافت أن وجود هؤلاء مستمر منذ أشهر، فالشركة تتكون من موقعين: موقع
الشركة الأصلي في منطقة الحضرة الذي تم بناؤه في أربعينيات القرن الماضي ويشغل
مساحة 30 ألف متر مربع تقريبا، وموقع يجاوره في منطقة سموحة والذي تم إنشاؤه في
السبعينيات ويشغل مساحة 40 ألف متر مربع، فالموقعان كبيران وإخراج كل ما فيهما
يستغرق وقتا طويلا، وفقا لقولها.
ووفقا لحديث العمال معها كان هناك لوحة رخامية مسجّل عليها تاريخ
إنشاء المصنع تم كسرها وأخذها من قبل هؤلاء البلطجية، وكان هناك صور توثّق تاريخ
الشركة، كما أن أرشيف الشركة غير معروف مصيره.
وعند البوابة الحديدية لمقر لشركة بسموحة العديد من الأوراق المتناثرة
على الأرض، منها كشوف إنتاج وأوامر توريد ومراسلات رسمية.. تخص شركتي "ستيا"
و"فستيا"، وتعود لسنوات سابقة.
خطة تحديث
لم تشر وسائل الإعلام المحلية بأي شكل لوضع
شركة "ستيا" هذا، بينما احتفت بزيارة رئيس مجلس الوزراء مؤخرا للمصنع
الذي وصفته بأنه "الأكبر في العالم" للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى. ووفقا
لـ"خطة التحديث الشامل لشركات القطن والغزل والنسيج الجاري تنفيذها"
المعلنة من قبل وزارة قطاع الأعمال العام يتم دمج 23 شركة غزل ونسيج في 7 شركات،
و9 شركات لتجارة وحليج الأقطان في شركة واحدة "بهدف خلق كيانات اقتصادية قوية
في الأنشطة المتشابهة وتحسين الإدارة"، مع عرض أراضي الشركات التي تقرر دمجها -وبينها شركة "ستيا"- للبيع للمستثمرين،
لتمويل خطة التحديث[2].
وقال رئيس الورزاء إن تكلفة التطوير تُقدّر
بنحو 30 مليار جنيه (الجنيه=0.033 دولار)، منها 8.5 مليار للإنشاءات الجديدة، ورفع
كفاءة إنشاءات قائمة، بالإضافة إلى توريد ماكينات جديدة بقيمة 650 مليون يورو، فضلا
عن قيام الدولة بتسديد مديونيات الشركات المتراكمة للضرائب والتأمينات وجهات أخرى
والمقدّرة بـ21 مليار جنيه، لتبلغ التكلفة الإجمالية للتطوير 51 مليار جنيه[3].
الخطط
الحكومية للبيع ليست وليدة اليوم، فقد شهد عام 2015 على سبيل المثال اعتصام المئات
من عمال شركة "فستيا" (نشأت كفرع من "ستيا" واشتهرت بتصنيع
البِدَل الرجالي) البالغ عددهم 750 عاملا احتجاجا على إعلان الشركة القابضة للغزل
والنسيج رغبتها في بيع أرض الشركة مع نفي إدارة "فستيا" لذلك، وعلى تأخر
صرف رواتبهم لأكثر من شهرين، وطالبوا بوقف "مخطط تخريب صناعة الغزل والنسيج
في مصر"، وقالت اللجنة النقابية بالشركة وقتها إنها تقدمت بالتماسات عديدة
لـ"وقف مخطط تخريب الشركة" ولكن دون استجابة[4].
وقال أحد العاملين بشركة "فستيا" إن الشركة
القابضة منعت عنهم القبض لمدة 4 شهور منذ بداية سنة 2021 كوسيلة ضغط للرضوخ لقرار
البيع، ولم تفلح كل محاولاتهم للتظاهر والشكاوى، وتدخُّل برلمانيين، وفي النهاية
تمت مساومتهم على صرف الرواتب المتأخرة مقابل ترك الشركة. وأضاف أنهم منذ عامين تقريبا
يجلسون في المنزل ويقبضون الراتب الأساسي فقط، وكذلك الحال مع عمال شركة "ستيا"
وغيرها مع اختلاف المُدد، وقال إنه يتقاضى راتبا حوالي 2000 جنيه بعد ما يقرب من
عشرين عام عمل، وهو أقل من راتب نظرائه في شركة ستيا، مطالبا بالمساواة في الأجور
بين جميع العاملين في شركات الغزل والنسيج. وقال إن الوضع الحالي أثّر عليه ماديا
ومعنويا، بعد ترك العمل الذي كان يحبه ويشعر فيه بالإنجاز ويكسب منه من خلال الأرباح
السنوية التي أوقفت من بعد الثورة، وعمولات المعارض التي كانت تنظمها الشركة في
المحافظات وكانت حركة البيع فيها نشطة جدا، واتجه حاليا للعمل كسائق. وإن السوق
وعملاء الشركة العديدين سوف يفتقدون "بدلة فستيا"، وإن الشركة كانت
قادرة على التطور والتوسع ذاتيا ودون الحاجة لتمويل من أي جهة، ولكن لم يكن هناك
نية حقيقية لذلك لدى قطاع الأعمال العام أو المستثمرين. وإنه لا يعتقد أنه
بالإمكان بناء "صرح" مشابه لما تم هدمه.
وفي الفترة من نوفمبر 2018 حتى يناير 2019 جرت معاينة 15
مجمعا من مصانع الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج لتقدير حالتها المبدئية
وإمكانية استمرارها من عدمه وفقا لتصريحات رئيس الشركة "حيث تبين أن عددا
كبيرا من المصانع مبنية من الأربعينيات لا تصلح للاستمرار وتحتاج لبناء مصانع
جديدة" بينما مصانع أخرى يمكن تأهيلها. وفتح المعاش المبكر للراغبين من
العمال لتعيين عمالة شابّة مدرّبة بدلا منهم. وتتضمن المرحلة الأولى من الخطة نقل
شركة "ستيا" من موقعها الحالي إلى كفر الدوار وبيع أراضيها "مرتفعة
الثمن" في سموحة، ومعها شركات "السيوف" و"الأهلية" و"المحمودية".
وكانت الجريدة الرسمية قد نشرت في يناير الماضي اعتماد قرار دمج "ستيا"
والثلاث شركات الأخرى في شركة مصر للغزل والنسيج وصباغي البيضا بكفر الدوار[5]، حيث سيقام
مشروع مصانع على مساحة 175 ألف متر مربع بتكلفة إنشائية تبلغ 2.4 مليار، بخلاف
قيمة الماكينات والآلات، يشمل 6 مصانع متكاملة لتصنيع الغزل والنسيج، في إطار
تنفيذ مشروع تطوير وإعادة هيكلة شركات القطن والغزل والنسيج التابعة لوزارة قطاع
الأعمال العام، وتم إسناد تنفيذ أعمال الإنشاء إلى "الشركة الوطنية للمقاولات
العامة والتوريدات"، وهي إحدى شركات جهاز
مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، وذلك وفقا لما نشرته الصحف المحلية على
مواقعها[6].
مع إسناد
مهام بيع وتسويق منتجات الشركات في الأسواق المحلية والخارجية إلى شركة ECH (Egyptian Cotton Hub) وهي شركة قطاع خاص مؤسّسة حديثا، بعلامة تجارية جديدة هي : نيتNIT التي بدأت
تدشين عدد من الفروع بالإسكندرية ومناطق أخرى، حيث تبدو كبديل عن معارض الشركات
المعتادة التي كانت تبيع للجمهور مباشرة، وللشركات
الحكومية مثل "هانو" و"عمر أفندي" و"بيع المصنوعات
المصرية" التي كانت منافذ بيع لهذه المنتجات أيضا، وهوما يثير التساؤل حول
المستوى الذي يمكن أن تصل إليه أسعارها وأية تكلفة إضافية يمكن أن يتحملها
المستهلك.
البديل: كومباوند
كان الميكانيكي الجالس بجوار أحد أبواب شركة "ستيا"
المغلقة يتعثر وهو يحاول نطق كلمة "كومباوند" عندما سألته عما سيحل
محلها. ليس لدى الأهالي معلومات محددة، ولكنهم يتناقلون ما يُشاع[7]. وفي 2020 تناولت
تقارير صحفية محلية امتلاك شركات قطاع
الأعمال العام أصولا هائلة تزيد قيمتها عن 5 تريليون جنيه منها أراض يمكن
استغلالها بقيمة تريليون جنيه، ومنها شركات متعثرة تعاني من مشكلات مالية كشركة
الحديد والصلب، وشركة النقل والهندسة، وشركة النصر للملاحات، وشركات الغزل والنسيج. ونقلت عن وزير قطاع الأعمال
العام قوله إن الوزارة قامت بإجراء حصر شامل ودقيق للأصول غير المستغلة المملوكة
للشركات لتحقيق أفضل استفادة منها بعد تغيير استخدامها من صناعي إلى سكني تجاري.
وذكرت التقارير استعداد الوزارة لطرح بعض قطع الأراضي غير المستغلة التابعة لشركات
القطاع والواقعة بمناطق متميزة في مختلف المحافظات وبعضها يقع على النيل مباشرة
بالتعاون مع هيئة المجتمعات العمرانية، وكذلك الهيئة العامة للاستثمار والمناطق
الحرة. وأن وزارة قطاع الأعمال حصرت أصولها غير المستغلة التابعة لشركاتها في نحو
344 أصلا من بينها 250 أصلا جاهزا للاستغلال سواء بالبيع أو الشراكة، وتم تغيير
نشاط 182 قطعة أرض منها إلى سكني وتجاري جاهزة للطرح للاستثمار، وأن الأصول غير
المستغلة التي سيتم طرحها أولا هي تلك التابعة لشركات الغزل والنسيج متمثلة في 1.2
مليون متر مربع من أراضيها للبيع للمستثمرين[8].
وخلال شهر أغسطس الماضي طرحت هيئة المجتمعات العمرانية
أرض "شركة مصنع فستيا سابقا" كقطعة أرض مخصصة لنشاط سكني تجاري بنظام
الحصة العينية والنقدية بين الهيئة والمطوّر العقاري، بمساحة تبلغ 17635 متر مربع
بمنطقة سموحة بسعر مرتفع للمتر بلغ 79 ألف جنيه لتبلغ القيمة الإجمالية للأرض نحو
مليار و393 مليون جنيه[9].
المحيط العمراني
تقول د. ميرهان إن
منطقة الحضرة الذي يقع فيها المبنى الأصلي لشركة "ستيا" تقطنها طبقة
متوسطة وتحت متوسطة، وفي حالة بناء منطقة سكنية على موقع الشركة -كما حدث في حالات
سابقة- ستكون لطبقات أعلى، ويتبع ذلك بالضرورة تغيير الكثير من تفاصيل المحيط
العمراني، فالمستثمر لن يقبل مثلا وجود ميكانيكي بالقرب، أو سوق شعبي، كما أن
العمارات بالتاكيد ستكون شاهقة وبالتالي سوف تؤثر على الكثافة السكانية والمرورية
وتضغط على البنية الأساسية مما يؤدي لتدهورها، كما ستؤثر على الهوية البصرية
للمكان التي كان مبنى "ستيا" من سماتها المميزة.
وأضافت
أن العمال والمجتمع المحيط سوف يشعرون بالانفصال عن تلك المباني الجديدة التي تخدم
شريحة اجتماعية محددة، بعكس شعورهم تجاه مصنع "ستيا" الذي كان يخدم
الجميع، من خلال منتجاته التي كانت تصل لشرائح مختلفة، كما تُصدّر لبلدان أجنبية.
أسئلة منطقية تثيرها التصريحات الحكومية
مالك عدلي المحامي ورئيس المركز المصري
للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالقاهرة قال إن التطوير لا يمكن أن يتحقق بالتخلي
عن أصول شركات بأكملها ببيع أراضيها وتخريد آلاتها وتسريح عمالتها ذات الخبرة، وإنه
من غير المنطقي الحديث عن مضاعفة الإنتاجية مع تقليص عدد المصانع، وهل المصانع
المتبقية يمكن أن تستوعب آلاف العمال الذين كانوا موزّعين على المصانع التي تقرر
التخلي عنها، أو لدى الحكومة خطة لتعيين أعداد مماثلة بديلا لهم لرفع الإنتاجية إلى
الأرقام التي تذكرها؟
وأضاف أن أيّ تطوير حقيقي لهذا القطاع المهم
الذي اشتهرت به مصر تاريخيا يقتضي اختيار قيادات ذات كفاءة، وخضوع هذه القيادات
للرقابة والمحاسبة، وتحديد رواتب عادلة للعمال وليس استغلالهم، وإشراكهم في
الاختيار واتخاذ القرار، مع المزيد من التدريب لهم، والاستعانة بخبراء الغزل
والنسيج لوضع خطط للنهوض بالصناعة محليا وعالميا، أما بيع الشركات التي تقوم به
الحكومة حاليا فسيؤدي -في رأيه- إلى مزيد من
التدهور في القطاع الذي فشلت الحكومات المتعاقبة في حل مشكلاته وتركت شركاته تخسر
دون تشخيص أسباب الخسارة أو وجود قواعد معينة لاختيار مديريها أوميزنيات تفصيلية
معلنة لها، لتصل مديونيتها إلى هذا المبلغ بالغ الضخامة.
وقال إن الخسائر الاقتصادية المترتبة على بيع
شركة مثل "ستيا" تتمثل في فقدان أصول كانت قادرة على الاستمرار ودرّ
المال كالمباني التاريخية والآلات وجزء لا يستهان به من عمالتها المدرّبة،
بالإضافة إلى العلامة التجارية للشركة التي تمثل بدورها قيمة مالية. بينما البيع
يؤدي لمكسب لمرة واحدة فقط مع فقدان المصنع للأبد. مشيرا إلى أن خسائر الشركات
تعود في النهاية لسوء إدارتها وما يترتب على ذلك من انخفاض جودة المنتج أو ضعف
تسويقه، وللسياسة الحكومية العامة المتبعة تجاه القطاع.
وقال إنه في 2020 تظاهر عمال شركة صباغي
البيضا بكفر الدوار اعتراضا على قرار رئيس مجلس الإدارة بتخريد بعض آلات الشركة
وعلى تأخر صرف أجورهم، فتم تحويل 19 عاملا منهم للمحاكمة الجنائية وصدر عليهم حكم
غيابي بالسجن المؤبد، لاحقا تمكّن المحامون من الحصول لهم على البراءة بعد إعادة
المحاكمة، إلا أن هذا -كما يقول- كان نوعا من ترهيب العمال بعدم تكرار التدخل في
هذه المسائل أو الاعتراض.
البيع سياسة حكومة
وقال عدلي إنه على الرغم من أهمية تعزيز
القطاع الصناعي لرفع قيمة العملة الوطنية وتحسين الوضع الاقتصادي، من الواضح أن
اتجاه السياسة الحكومية الحالية ليس داعما للتصنيع بل لبيع المصانع، لتوفير موارد
نقدية في ظل عجز الموزانة والتزامات سداد أقساط قروض صندوق النقد الدولي، والأمر
لا يقتصر على قطاع الغزل والنسيج بل شمل قطاعات أخرى مهمة مثل الحديد والصلب
والأسمنت، وحتى قطاعات كان مبارك، الذي طُبقت الخصخصة في عهده، يرفض إشراك القطاع
الخاص أو المستثمرين خاصة الأجانب فيها، نظرا لحساسيتها.
ويضيف أن سياسة الخصخصة تلك لم تنجح وألحقت
أضرارا بالقطاع الصناعي وخاصة قطاع الغزل والنسيج، إلا أنه كان هناك وقت تطبيقها شروط
على المستثمر بعدم تغيير النشاط والحفاظ على العمالة وضمان حقوقها. وقد شاب بعض عقود
البيع للخصخصة فساد[10]
وعادت شركات للدولة بعد ثورة يناير، وكان من المنتظر -كما يقول- أن تهتم الدولة
بتحسين أوضاعها والنهوض بها، ولكن هذا لم يحدث.
وكانت الحكومة قد أعلنت مؤخرا قائمة من 32
شركة مملوكة للدولة سوف تُطرح في البورصة أو للبيع لمستثمرين استراتيجيين، شملت
عددا من البنوك وشركات تأمين وأسمنت وإسكان ومنتجات بترولية ومستحضرات طبية وفنادق
ومحطات كهرباء وشركتي بورسعيد ودمياط لتداول الحاويات والبضائع وغيرها، ولم تضم
القائمة شركات غزل ونسيج. يعلّق عدلي بأن المستثمرين الخليجيين الذين اعتبرهم
صندوق النقد شركاء استراتيجيين في المرحلة الحالية يستهدفون الشركات الناجحة
بالفعل، أما الشركات الخاسرة كشركات الغزل والنسيج فتلجأ الحكومة إلى بيع أراضيها
وآلاتها.
ويرى عدلي أن غلق المجال أمام النقاش العام
أو المساءلة البرلمانية[11]
ونقص المعلومات حول ما تقوم به الحكومة يُعدّ مؤشرات سلبية على النتائج التي يمكن
أن تقود إليها هذه القرارات. ويضيف: على سبيل المثال فيما يتعلق بآلات شركة "ستيا"
لا نعرف كيف تكوّنت اللجان التي قامت بمعاينتها ومن هم أعضاؤها وما هي المعايير
التي اعتمدتها لتحديد الآلات الصالحة أو غير الصالحة للاستمرار[12]
ولمن بيعت وكم قيمة بيعها؟ كما أنه ليس هناك ضمانة لأن تذهب أموال بيع الأراضي
والآلات بالفعل لتطوير الصناعة. مشيرا إلى أن إدارة المال العام مسألة شائكة
ومعقدة، والاكتفاء فيها بتصريحات إعلامية من جانب الحكومة لا يمكن أن يكون مجديا.
وقد نشرت جريدة الأخبار الحكومية يناير
الماضي إعلانا للشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس عن بيع بالمزاد
العلني بالقاهرة لـ"ماكينات (حلق- تطبيق- رابير- فحص- خياطة- نسخ- بيانو-
نسيج- كرد- تجليخ- غزل- حياكة- تفتيح- تطريز)، ومكاتب وترابيزات ودواليب خشب وصاج،
وعربات حديد وخشب، وشبكة مطافي، ومواسير مياه، ومكابس، وغلّايات، ومواسير هواء
وبخار، وأصناف أخرى عديدة متنوعة" (عدد 8 يناير 2023).
من الناحية المعمارية: إتقان وأناقة
"العمارة الصناعية في مصر من محمد علي
إلى السادات: مسح ميداني"[13]
عنوان بحث منشور بالإنجليزية للباحث المعماري الألماني رالف بودنشتاين، بالتعاون مع الباحث أحمد
البنداري الذي تولى مهام زيارة المواقع وتصويرها. عمل رالف على وضع الخطوط العريضة
لتطور العمارة الصناعية في مصر خلال المائتي عام الماضية، بدءا من عهد محمد علي في
أوائل القرن التاسع عشر وانتهاء بالنصف الثاني من القرن العشرين في عهدي عبد
الناصر والسادات، من خلال نماذج مختارة
لمصانع أو مجمعات صناعية لكل فترة تاريخية. وهو يشير إلى القيود التي أحكمت عملية
الاختيار سواء المتعلقة بالوقت القصير المتاح للدراسة (ما بين إبريل ويوينو 2009)
أو الصعوبة البالغة للحصول على الأذونات الرسمية المطلوبة للزيارة والتصوير. وهي
تشمل جغرافيّا القاهرة والدلتا والإسكندرية. وبوجه عام يقول رالف إنه على الرغم من
التراث الغني والرائع من الهندسة المعمارية الصناعية في مصر، فإن هذه المباني
الصناعية مهمَلة بحثيا ولم تخضع لبحث شامل أو توثيق. وعلى مدار البحث تتكرر كلمات
مثل: اختفاء مؤسف، هدم، إيقاف تشغيل، إغلاق..
ويضيف أن المباني التابعة لصناعات القطن
والنسيج كانت هي الغالبة بين نماذج الدراسة وهذا -كما يقول- أمر متوقع بالنظر إلى
الأهمية التاريخية طويلة الأمد لهذا القطاع خاصة في الوجه البحري. من بين هذه
النماذج التي تناولها رالف شركة "ستيا" التي بدأ بناؤها عام 1946 وتألفت
إدارتها من يونانيين ومصريين.. برئاسة اليوناني السكندري سيمون بيالوبولو، في حين
شغل منصب المدير ستيفانو
باباكريستو، وقد هدف المصنع لضم الغزل، والنسيج، والصباغة، وتشطيب القطن والصوف
والمنسوجات الصناعية، وأوكلت الشركة مهمة تصميم المصنع المزمع بناؤه للمهندس
المعماري فرديناند ديباني، وهو سكندري من أصل سوري لبناني درس الهندسة المعمارية
ببريطانيا، وذلك كما يذكر الباحث، الذي يصف المباني التي صمّمها ديباني لستيا
بأنها "بالتأكيد من المباني الصناعية الأكثر أناقة التي تمت زيارتها أثناء
المسح".
ويشرح رالف التفاصيل المعمارية لمصانع ستيا:
المصنع الأصلي لستيا -بخلاف الإضافات اللاحقة- تكوّن من صفّين من المباني على قطعة
أرض مثلثة الشكل تقريبا، مع حدود شمالية طويلة مستقيمة، وحدود جنوبية شرقية منحنية
إلى الداخل. وقد اتبعت الخطوط العريضة للمباني بشكل عام الخطوط العريضة لقطعة
الأرض لتحقيق أقصى استفادة من المساحة المتاحة. الكتلة الشمالية عبارة عن قاعة طويلة
مستطيلة من طابق واحد. وفي المركز مبنى إداري من 4 طوابق. الكتلة الجنوبية مثلثة
الشكل بواجهة جنوبية شرقية منحنية بشكل جميل.
وتُظهر الواجهات اهتماما كبيرا بالتفاصيل
الأنيقة: إطارات النوافذ، الأفاريز، فتحات التهوية، صرف مياه الأسقف.. وفي مقابل
الأفقية الملحوظة لمباني المصنع، يبرز المبنى الإداري باعتباره العنصر الرأسي
الوحيد، بواجهة ضخمة وأسطح زجاجية كبيرة بين أعمدة مستديرة، ومدخل مزيّن من الداخل
بشكل فاخر بالرخام والحجر الملون..
في منتصف الخمسينيات شهد المصنع توسعات على
الجزء المتبقي بالأجزاء الغربية من قطعة الأرض وعلى الأراضي المشتراة على طول
جانبها الشرقي. وقد صمّمها كذلك فرديناند ديباني، وكانت مراعية للتفاصيل المعمارية
للمصنع الأصلي، إلا أنها تضمّنت ميزات تقنية مبتكرة مثل استخدم أعمدة خراسانية مثمّنة
الأضلاع برءوس اتخذت شكل فطر عيش الغراب لدعم كتل الأرضيات المتصلة لمصنع الصوف
الجديد، حلّ تم اختياره لاستيعاب الأحمال الثقيلة واهتزاز أنوال نسيج الصوف في
المبنى الضخم ذي الست طوابق.
وكان قد أعيد تسمية الشركة بشركة "النصر
للأصواف والمنسوجات الممتازة" بعد تأميمها في عهد عبد الناصر، ولكنها احتفظت
باختصارها الأصلي كعلامة تجارية معتمدة. وفي عهد السادات، بين عامي 1971 و1974
قامت الشركة التي يصفها الباحث المعماري الألماني بـ"شركة القطاع العام ذات
النجاح الاستثنائي" ببناء مصنع جديد للصوف على قطعة أرض شاغرة تقع على بعد
بضع مئات من الأمتار إلى الشمال الشرقي من المصنع القديم، لعدم وجود مساحة إضافية
متاحة داخل حدود المصنع القديم. التصميم هذه المرة كان لشركة هندسة معمارية
سكندرية. ويذكر الباحث أنه قد أتيح له الاطلاع على المخططات الأصلية لهذا المبنى
المحفوظة بتوقيع المهندس المعماري في أرشيف الشركة.
الكتلة الرئيسية لهذا المصنع الجديد تكونت من
5 طوابق تضم صالات كبيرة للورش يشغل كل منها طابقا كاملا بارتفاع كبير لكل طابق
مقارنة بارتفاعات طوابق المباني الملحقة. ومن أجل الحد من عدد الأعمدة داخل
الصالات والإبقاء على قدرة تحميل كافية للمعدات الثقيلة والأنوال ومولدات الديزل
والآلات الأخرى تم بناء جميع الطوابق باتباع نظام مبتكر مزدوج الأرضية. هذا
بالإضافة إلى مبنى إداري ملحق من 3 طوابق، ومبنى ممتد من طابق واحد لأعمال صباغة
الصوف وورش الإصلاح وصالات التخزين وتجهيزات إمدادات المياه والطاقة. وعلى قطعة
أرض مجاورة أقيم ناد للعمال والموظفين.
ويشير الباحث إلى وجود تشابه بين مبنى الصوف الجديد للشركة ومجمّع التحرير،
المبنى الإداري الضخم في وسط القاهرة الذي بُني بين عامي 1950 و1954، أي بدأ بناؤه
في عهد الملك فاروق واكتمل بعد ثورة 52.
وأخيرا يفترض رالف أن تشييد مثل هذا المبنى
من قِبَل شركة تابعة للقطاع العام في أوائل السبعينيات من القرن الماضي غرس شعورا
بالفخر بين المارّة، حيث كانت المصانع المملوكة للدولة لا تزال تُصمّم وتبنى
بمهارة، في إطار سياسة السادات للانفتاح، لتكون بمثابة رموز للتقدم والتنمية،
وباعتبارها معالم للسلطة أو للدولة، وليس لرأس مال الشركة.
التراث الصناعي في مصر
تقول د. ميرهان دمير إن مصر لديها ثراء كبير في مواقع التراث الصناعي
على امتداد محافظاتها ومناطقها الجغرافية نظراً لدورها البارز في التاريخ الصناعي
العالمي الحديث، ولكنها لا تلقى الاهتمام المطلوب مما يؤدي إلى فقدان أعداد
متزايدة منها، فضلا عن كونها غير محصورة أصلا. وإن هناك مباني صناعية مسجلة سواء
وفقا لشروط ومعايير قانون الآثارأو لمعايير الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، وتضيف:
على مستوى عالمي تُعتمد معايير أكثر اتساعا، إذ قد نجد موقعا صناعيا لا يزيد عمره
عن 40 عاما ويُسجل كتراث، بناءً على خصائصه التاريخية أو الاجتماعية أو
التكنولوجية أو المعمارية أوالعمرانية أو وفقا لمعيار "النُّدرة"، بأن
يكون الموقع على سبيل المثال هو الأول أو الأخير أو الوحيد المتبقي في منطقة ما
والذي يشهد علي صناعة معينة.
وأضافت أن المشكلة في حالة "ستيا" وغيرها من مواقع التراث
الصناعي في مصر أن الأمر يكون مفاجئا لهم دون إعلان مسبق أو توضيحات كافية يمكن
معها إتاحة الفرصة لمناقشة البدائل ومن ثم إنقاذ الموقع والحفاظ عليه.
وقالت إن التراث الصناعي بوجه خاص يتميز بدرجة عالية ومباشرة من
التفاعل من جانب المجتمع المحلي عبر أجيال وفئات وطبقات مختلفة، ومن ثم الارتباط
والتقدير. فالعامل -على سبيل المثال- يكون لديه ارتباط قوي وعاطفي بالمصنع والآلة
التي عمل عليها، بينما يمكن أن يكون تفاعله أو تأثره أقل بكثير بقصر ذي مفردات
معمارية متميزة.
وقالت إنها لمست درجة عالية جدا من الارتباط بالشركة لدى عمال "ستيا"
الذين تحدثت معهم، كمبنى وآلات عملوا عليها لسنوات وعقود، وهذا لاحظته أيضا عندما
تحدثت مع عمال ورشة الترام بكرموز في عمل بحثي سابق. وتضيف: هؤلاء العمال يفهمون
ماذا يعني تراث صناعي ويقدّرون قيمته حتى إن لم يكونوا على دراية بالمصطلح.
بدائل
تتميز المباني الصناعية أيضا وفقا لـ د.ميرهان بالمرونة لإعادة
الاستخدام، فهي تتسم باتساع الفراغات الداخلية من مساحات و ارتفاعات، كما تتسم
بمتانة وصلابة إنشائية بحكم وظيفتها، ومن ثم في حالة الرغبة في تغيير النشاط،
لاعتبارت بيئية مثلا عملا بمبدأ تقليل التصنيع داخل المدن، سيكون أمامنا خيارات
متعددة لإعادة التوظيف مثل: مستشفيات، مدارس، جامعات، مبان سكنية أو تجارية،
فنادق.. وغيرها، والخيار الأمثل لا يمكن لفرد واحد تحديده، بل يتطلب نقاشا مجتمعيا
يشارك فيه الخبراء وقاطنو الحي والمدينة والمسئولون والمستثمرون.. وذلك وفقا
لاحتياجات المنطقة، ودون أن يؤدي ذلك لزيادة التكدّس أو لتدهور في البنية الأساسية،
بدلا من خسارة مبان على هذا القدر من المتانة التي يصعب تكرارها والتي لم تحتج
لترميمات -كبرى على الأقل- منذ إنشائها قبل خمسين أو سبعين عاما، حتى مواد البناء
التي استخدمت فيها قد لا تتوفر حاليا، بالإضافة إلى قيمتها التاريخية والاجتماعية.
معدّل تاريخي للهدم
في رسالتها للدكتوراه التي أنجزتها العام الماضي، تناولت د. ميرهان
العلاقة بين التطور الصناعي والتطور العمراني للإسكندرية في التاريخ الحديث. تقول:
التطور الصناعي كان أحد المحرّكات الرئيسية لتطور المدينة عمرانيا، فهي التي أدت
إلى قدوم الناس للعمل ومن ثم للسُّكنى، فقامت المباني السكنية وغيرها من المنشآت
كالبنوك.. ومن ثم لا يصح تهميش التراث الصناعي، كما أن الاهتمام بالتراث بجميع
أنواعه ضروري ويعكس ثراء المدينة، ويمكن مدّ الحديث عن دور الصناعات في تطور المدن
في مصر عموما وعلاقتها بالزراعة والثروة المعدنية إلى مناطق جغرافية أخرى كصناعة
الغزل والنسيج وزراعة القطن في الدلتا، وصناعة السكر وزراعة قصب السكر في الصعيد،
وكذلك الصناعات المعدنية ومناجم المواد الخام علي ساحل البحر الأحمر..
وقالت إن الخمس سنوات الأخيرة وهي مدة عملها في رسالة الدكتوراه
(2017-2022) شهدت هدم عدد كبير للغاية من مواقع التراث الصناعي في الإسكندرية،
أبرزها ردم ترعة المحمودية، من السيوف حتي مصبها بالبحر المتوسط في الميناء الغربي
للمدينة، وهدم المصانع على ضفافها مثل شركة "سباهي" للغزل والنسيج (شركة
السيوف للغزل)، وشركة الملح والصودا وغيرهما.. والحزين أن المبني الإداري لمصنع
سباهي[14]
مسجّل كمبني ذي طراز معماري متميز، ولم تتحرك الجهات المعنية إلا بعد أن طالته
بالفعل يد التخريب، رغم المناشدات المتكررة التي سبقت ذلك على مواقع التواصل
الاجتماعي لحماية المبنى.
ومن مباني التراث الصناعي التي فقدناها كذلك -كما توضح د. ميرهان- الشركة
الأهلية للغزل والنسيج، والشركة الشرقية للكتان والقطن.. بالإضافة إلى مبنى محطة
سكة حديد القبّاري وهي ثاني أقدم محطة سكة حديد تُبنى في العالم بعد محطة إنجلترا.
وهذه المحطة لم تكن مسجلة أو حتى معروفة الموقع إلا في العِقد الأخير، ورغم
المحاولات المضنية للأكاديميين لإنقاذ المبنى الذي كان في حالة مزرية، تم هدمه
وتسويته بالأرض، كان ذلك في صيف 2021. وإذا نظرنا إلي مكابس القطن في مينا البصل وهي
ذات قيمة محلية ووطنية ودولية أيضا، حيث كان الاقتصاد العالمي يعتمد على القطن
المصري في فترة الحرب الأهلية الأمريكية وما بعدها، نجد أنه لم يعد يعمل منها سوى
مكبس واحد فقط، وهو ما يعكس تأثير تدهور زراعة القطن المصري وتراجع تصديره، حيث
العلاقة وثيقة بين الزراعة والصناعة.
إلا أن هذا لا يعني -كما تقول- فقدان الأمل والتوقف عن بذل المزيد من
الجهود لإنقاذ المتبقي من التراث الصناعي، شريطة أن تكون جهودا جماعية.
وقالت إنها خلال رسالتها قامت بحصر المواقع التي تمثل تراثا صناعيا
بالإسكندرية وحدها من بدايات القرن التاسع عشر حتى عام 1959 وقد تجاوز عددها 260
موقعا، منها مازال قائما حتي اليوم ومنها في حالة تدهور أو حلت محله مربعات سكنية،
دون أن يتضمن هذا العدد مناطق صناعية في أصلها مثل برج العرب وأبي قير.
فرصة الإنقاذ لا تزال قائمة
محمد علي عطية مهندس مدني سكندري اطلع على صور الموقع بعد تخريبه، وبسؤاله حول ما إذا كانت مباني المصنع قابلة للإصلاح أو الترميم بحالتها تلك فكان رده بالإيجاب: "نعم إن كان هناك إرادة لذلك، كل شيء ممكن لأن الهيكل الأساسي للمبنى متين، أي حوائط تم تكسيرها يمكن إعادة بنائها، وأي شروخ في الخرسانة يمكن أن تُرمّم وتعالج"
وأضاف بخصوص ما إذا كانت جودة التصميم المعماري لمبنى ما تعني بالضرورة جودة البناء وصلاحيته للبقاء مدة طويلة ".. أي مشكلة تظهر في مبنى ما قد تكون نتيجة عيوب تصميم، أو عيوب تنفيذ (إنشاء)، والاثنان من المفترض أن يظهرا خلال فترة قصيرة من البناء أو على مدار استخدام المبنى، وهناك مشكلات يمكن أن تحدث بمرور الزمن، أو بسبب مشكلة خارجية طارئة مثل انفجار ماسورة مياه مثلا بجانب المبنى مما يؤدي إلى هبوط في بعض الأساسات وبالتالي حدوث شروخ كبيرة، لكن كل شيء له حل.
وصلاحية المبنى بشكل عام تُحدد من خلال خبير مختص بعد مراجعة حالة المبنى على الطبيعة، وفي حالة "ستيا" لو كان هناك عيوب تصميم أو تنفيذ كانت قد ظهرت بالفعل منذ زمن.. ومن واقع معرفتي بالظروف اللي كانت تُبنى فيها المصانع أو المنشآت عموما في تلك الفترة، أستبعد وجود أي مشاكل تصميمية أو تنفيذية في هذه المباني، وخصوصا أن المصنع استمر في الاستخدام والعمل على مدار سنوات طويلة دون أي مشاكل، فالمعاينة سوف تُظهر مشاكل الزمن العادية، التي يمكن علاجها، ولو كان هناك اهتمام بصيانة المبنى كانت قد عولجت من قبل". واصفا المصانع بأنها "منشآت خاصة" بمعنى أنها لا تبنى كل يوم لما تتطلبه من تجهيزات معينة، وبالتالي فإن استسهال فقدانها أو خسارتها بهذه الصورة أمر غير مقبول".
عقبات العمل الميداني
تقول د. ميرهان: الموافقات الأمنية للدخول للمواقع لتصويرها أبرز
المعوقات حيث يمكن أن يستغرق استخراجها شهورا، وذلك وفقا لتجربتي، خاصة أن معظمها
يعد مواقع حساسة وحيوية لارتباطها بالبنية الأساسية أو بصناعات هامة. حتى في حالة
الحصول عليها يمكن أن تكون الموافقة محددة بدخول الموقع لكن دون التصوير، أو التصوير
خارج المبني وليس داخله، وهذا طبعاً يعيق عملية التوثيق. وقالت إنه في حالة شركة "ستيا"
رغم توقف العمل وما يجري في الموقع من تخريب خرج إلىّ أحد أفراد الأمن (موظف أمن
مدني وليس شُرطيا) أثناء محاولتي التصوير من الخارج وطلب باستياء توقفي عن التصوير
وطلب هاتفي وبطاقة هويتي، بينما البلطجية بجانبه مستمرون في الفك والخلع دون أي
رادع أو سؤال، الأمر الذي جعلني أشعر بالحزن الشديد إزاء ما وصلنا إليه من ردع
الباحثين عن توثيق التراث الذي يتم تدميره، وتجاهل من يقومون بتخريبه.
ذاكرة الأسر
إلى جانب الخسارة الاقتصادية والمعمارية
الفادحة، فإن هدم مصنع يكون له تأثيره المحزن لدى الأسر التي ارتبطت به بشكل
مباشر، من خلال عمل واحد أوأكثر من أفرادها به، مما يجعله جزءا راسخا من ذاكرتهم. منة
الله أحمد 29 عاما حاصلة على بكالوريوس هندسة. عمل والداها الراحلان بشركة "ستيا":
والدها فنّي صيانة خرج على المعاش عام 2007 على درجة مدير إدارة، ووالدتها كانت
عاملة في "مشغل البنات" وكانت مهمتها رفع وفحص أتواب الصوف، تتعامل
يدويا مع المنتج النهائي وليس على آلة. وقد جاء تعارفهما من خلال الشركة عبر صديق
مشترك.
تقول إنهم عرفوا ما يحدث في الشركة قبل أشهر
من خلال مجموعات فيسبوكية خاصة بمنطقة سموحة (حيث تقطن حاليا ويقع مقر الشركة)، وإن
والدتها حزنت بشدة عندما عملت بخبر بيع الشركة خاصة على مصير العاملين وأحدهم من
دوائر معارف والدها الذي استمرت علاقتهم به بعد وفاته، وكان قد تم هدم منزله في
منطقة نادي الصيد قبل فترة. وإن والدها كان سيكون أكثر تأثرا وكان سيشعر بالقهر
لأنه أكثر ارتباطا بالمصنع وبالآلات التي أصلحها بيديه على مدار أكثر من ثلاثة
عقود، وهو الذي استمر في العمل بالشركة حتى أواخر حياته حيث توفي بعد خروجه على
المعاش بعامين.
كانت منة في الخامسة عشر من عمرها عندما توفي
والدها، إلا أن لديها الكثير من الذكريات معه مرتبطة بعمله هناك ولذلك كان وقع
الخبر عليها مؤلما: في الثالثة عصرا موعد انتهاء العمل.. خبطة الباب.. تحضير
الغداء في الثالثة والنصف.. أيام "المأموريات" وخروجه المبكر عن الموعد
الرسمي ليأتي ويأخذني مبكرا أيضا من الحضانة.. عدم ذهابي للحضانة في يوم إجازته
لأمكث معه.. اصطحابه لها للمدرسة الإعدادية في طريق عمله صباحا.. الوجبات التي
تقوم والدتي بإعدادها ليأخذها معه.. وكان قد اصطحبها للمصنع وهي طفلة وتتذكر
شعورها بالرهبة من المساحة الواسعة للغاية وضخامة الآلات وصوتها.. حتى الشوارع
المحيطة بالشركة التي شهدت بالتأكيد سير والديها خلال خطوبتهما القصيرة بعد أن
قاموا بـ"التزويغ" ذات مرة مثلا قبل موعد الخروج الرسمي أو وهو يصطحبها
وهي حامل بها وجلوسها لتستريح في موضع ما هناك.. السير بالقرب يثير الكثير من
المشاعر لدى منّة قد تنتهي بالبكاء.. تقول: "ارتباطنا بالأماكن مصدره الأشخاص
الذين نحبهم وكانوا يعيشون فيها"، بالإضافة إلى كون الشركة مصدر الرزق الذي
تربّوا منه.. ولا يزال الجزء الأكبر من دخلها حتى الآن مرتبطا بها من خلال معاشيْ
والديها.
وكانت والدتها التي توفيت قبل أشهر قد عُيّنت
بالشركة عام 1973 عندما كانت في الثامنة عشر من عمرها، وقدمت استقالتها في منتصف التسعينيات تقريبا بعد
أن وضعت "منة" -طفلتها الأولى- للتفرغ لمسئولياتها الأسرية.. وكان عدد
من أفراد عائلة والدتها التي تقطن في منطقة الحضرة حيث مقر الشركة يعملون بها
أيضا: والدها وعمّها الذين كانوا من الأجيال الأولى للعاملين بها، وإحدى شقيقاتها.
وقد كان هناك حضانة لأطفال العاملات تابعة للمصنع. كما حكت لها والدتها عن فطورها
الصباحي الذي كانت تشتريه من محل في طريقها للعمل، أو تقوم مع زميلاتها بإعداد بعض
الأطعمة ليتناولنها بصورة جماعية.
تقول منة إن مواعيد العمل كانت واحدة
لكليهما، من السابعة صباحا إلى الثالثة عصرا، مع ساعتي عمل إضافيتين كانت والدتها تأخذهما
أحيانا لتزيد أجرها، ولأن والديها كانا في مستويين إداريين مختلفين كان أتوبيس
الشركة، القديم أخضر اللون بشعار الشركة المميز عليه، ينقل أباها من محل سكنهم
القديم في المنشية إلى مقر الشركة ذهابا وعودة، بينما كان على والدتها العاملة أن
تركب المواصلات. "كان والدي أحيانا يترك أتوبيس الشركة ويصطحبها في المواصلات
خاصة وقت حملها، أو تُدعى بصورة ودية لركوب الأتوبيس معه مراعاة لظروفها الصحية في
ذلك الوقت". كما كانت والدتها تقبض راتبها كل أسبوعين بينما راتب والدها
شهري، بفارق في الراتب تستطيع أن تلمسه حاليا في الفارق الحالي بين المعاشين، الذي
لا يفسره فقط خروج والدتها المبكر على المعاش، فقد كنت تحكي لها عن الأجر الزهيد
الذي كانت تتقاضاه خاصة في بداية عملها.
وتتذكر الرحلات التي كانت تنظمها الشركة
وزارت خلالها القاهرة والإسماعيلية ومطروح.. وقد أرتني صورا لوالدها بجوار زميل
شاب يرتدي الزي الرياضي وخلفهما لافتة طويلة مكتوب عليها "الاتحاد العام
الرياضي للشركات- بطولة الجمهورية رقم 26"، وصورا لحفل أقيم له بالنادي
الاجتماعي للشركة بمناسبة خروجه على المعاش.. وذهاب والديها عام 2000 في إحدى
رحلات العمرة التي كانت تنظمها الشركة ويتم الاختيار فيها بالقرعة..
تقول منّة إن أقمشة الشركة كانت مميزة
ومشهورة وذات جودة عالية، ولا تزال ملابس والدتها التي قامت بتفصيلها من هذه
الأقمشة محتفظة بحالتها ترتديها شقيقتها الصغرى وتحوز الإعجاب.
في السنوات الأخيرة لعمل أبيها بالشركة بدأت
تسمع كلمة "خصخصة" وسألته عما تعني ولماذا سوف يترك بعض زملائه عملهم
بالشركة. تقول إنه لم يكن يتبقى على خروج والدها على المعاش وقتها الكثير، ولكن
زملاء له أصغر سنا وكثيرا من العاملين ومنهم شباب قاموا بتسوية معاشهم وأخذ مبلغ
كمكافأة قبل انتهاء مدة خدمتهم.
نظم التوظيف والعلاقات الأسرية
تقول إن عمل أبيها في وظيفة ثابتة أعطى مساحة
لوجوده داخل الأسرة، مع الطبيعة القنوعة له وعدم ميله للتنافس أو للهاث لجمع المال
وتقديره لأهمية وجوده وسط أبنائه، بينما
نظم التوظيف السائدة حاليا إلى جانب الظروف الاقتصادية الصعبة جعلت الناس يشعرون بعدم
الاستقرار المهني وأنهم مهدّدون طوال الوقت بفقدان مصدر رزقهم واضطرارهم للالتحاق
بأكثر من عمل لتلبية متطلبات الاسرة وهذا يؤثر كثيرا على العلاقات داخل الأسر
والوقت الذي يقضيه الآباء مع أبنائهم. كذلك ترى أنه حتى العلاقات داخل بيئة العمل
باتت محدودة، مع الانكفاء على الأجهزة التكنولوجية، مقارنة بعلاقات والدها مع زملائه في المصنع
والتي كانت تمتد لأسر كل منهم ولا يزال زملاؤه يذكرونه رغم كل هذه السنوات منذ
وفاته، بالإضافة إلى الأنشطة التي تجمع العاملين من خلال النادي الاجتماعي.. وتقول
إن والديها لم يتركا لهما ثروة من عملهما بالشركة فمصاريف تعليمها هي وشقيقتها
الصغرى كانت تستأثر بالدخل "وكان حصولنا على شهادة جامعية أولوية قصوى
بالنسبة لوالدتي بعد وفاة والدي"، ولكنهما بنيا معهما ذكريات تستطيع أن تعيش
عليها طوال حياتها، كما تعلمت منهما الاستقلالية والاعتماد على الذات.
[1] خلال 5 زيارات متفرقة لموقع الشركة لم يكن هناك
أي وجود شُرَطي وكان هؤلاء يمارسون عملهم بأريحية تامة.
[2] اليوم السابع.
[3] اليوم السابع.
[4] المصري اليوم، والشروق.
[5] https://www.cc.gov.eg/i/l/418114.pdf?fbclid=IwAR20vKnbMS_QYXMfvKLE9-0auxFvL9nG5MMqeACMKe3gqqP3qOO5yOleaIY
[6] مثل روز اليوسف واليوم السابع.
[7] يتردد بين الأهالي أن رجل الأعمال السكندري هشام
طلعت مصطفى هو المشتري الجديد لأرض الشركة، وليس هناك حتى الآن إعلان رسمي بذلك،
إلا أن "مجموعة طلعت مصطفى" تعد أبرز المستثمرين المتعاونين مع هيئة
المجتمعات العمرانية عبر عدة مشاريع.
[8] منها أرض محلج شركة الوادي للتجارة وحليج
الأقطان بميت غمر، وأراض تتبع شركات النصر للصباغة بالمحلة، وبورسعيد للغزل
والنسيج، والوجه القبلي للغزل والنسيج بسوهاج، ودمياط للغزل والنسيج، وأرض شركة الدلتا
للغزل والنسيج بالمنصورة، وغيرها... عن موقع جريدة روز اليوسف الحكومية.
[9] موقع جريدة المال نيوز نقلا عن موقع الهيئة.
[10] حاليا
تم تحصين عقود الدولة من الطعن فيها "دعما للاستثمار والاقتصاد القومي"
كما قضت المحكمة الدستورية العليا مؤخرا.
[11]
في اتصال هاتفي معها، احتفت إيفيلين متّى نائبة برلمانية عن حزب الوفد
وعضوة لجنة الصناعة بمجلس النواب بزيارة رئيس الحكومة لمصنع المحلة، وطالبت الشعب
الذي وصفته بأنه صار "استهلاكي" بالعمل (برنامج مصر اليوم على قناة
الدلتا).
[12] قال موظف
شركة فسيتا إن من المواقف المحزنة التي رآها ماكينات كانت تعمل وتنتج لآخر وقت أتلفت
لتباع كخردة، وإن ماكينات الشركة مستوردة من دول أوروبية ومن طبيعتها أن تعمّر
طويلا، وحتى في حالة الأعطال يمكن إصلاحها. وإن مكسب تاجر الخردة الذي اشترى
محتويات مصنعي "ستيا" لن يقل عن 10 أضعاف ما دفعه فيها، وما يتم نهبه
حاليا من جانب بلطجية الخردة هو من أواخر ما تبقى في الشركة بعد استكفاء التاجر، وهو
بدوره مرتفع الثمن، "لحد اللحظة دي الشركة فيها خير".
[13] https://www.archnet.org/publications/5493
ترجمة الكاتبة
[14] فيديو لتخريب المبنى الإداري لشركة "سباهي" على تويتر https://mobile.twitter.com/MAdelDessouki/status/1600879959891136512?fbclid=IwAR2Ojg4SG32hQJHjbp2IvMv7wVLrSHV621a4cC5aCBN0Ka0-CI-oUwnx3n8
..................
نُشر في موقع السفير العربي بتاريخ 26 مارس 2023
على جزأين:
الأول
الثاني

Comments
Post a Comment