The story of “Rasha,” who defied all obstacles, illuminates the path for sighted people (AR)

 قصة "رشا" التي تحدّت كلّ العقبات تنير الطريق أمام المبصرين

منى علي علام


د. رشا فيالة يوم مناقشة رسالتها الدكتوراه

علينا كباحثين تقديم صورة متكاملة للعصور والشخصيات التاريخية بإيجابياتها وسلبياتها


البرامج الناطقة سهلت كثيرا على الباحثين المكفوفين


الاستسهال آفة البحث العلمي لدينا، والعمل الجيد وحده هو الذي يبقى


المجتمع ينظر للكفيف كشخص مهمّش وعاجز رغم أنه قادر على إنجاز أي شيء


أذهب للقائها في موعدنا المحدّد سلفا، وأنا أفكر هل ساقني القدر إليها لأروي قصة جديرة بأن تروى للناس، أم ساقها القدر إليّ لأقتبس بعضا من نورها، أنا المبصرة وهي التي فقدت شيئا وملكت بإزائه أشياء.

كان المشهد مؤثرا وملهما، يوم أن ناقشت رسالتها للدكتوراه قبل أسابيع قليلة، في تخصص التاريخ الإسلامي بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، وأساتذتها يثنون على الرسالة المتميزة وعلى الباحثة الجادّة المثابرة، ذات الرأي والفكر والشخصية البارزة على مدار الرسالة.

في مشوارها البحثي، كانت رشا فيالة (35 عاما) تسعى دوما لاختيار أفكار مختلفة وغير تقليدية، سواء في الماجستير أم في الدكتوراه، وهي ترى أن تناول نقطة فرعية وتغطيتها بصورة متقنة أفضل من العمل على موضوعات موسّعة يعيد خلالها الباحث تقديم ما قدّمه سابقوه. كان عنوان رسالتها للماجستير "وسائل الدعاية والإعلام في مصر المملوكية"، أما رسالتها للدكتوراه فعنوانها "مظاهر الفساد الاجتماعي في مصر في عصر سلاطين المماليك: المُسْكِرات نموذجا"، وهو موضوع شائك اختارته "رشا" وأصرت عليه رغم الانتقادات بأن عملا كهذا من شأنه أن يشوّه صورة عصر عُرف بأنه عصر جهاد وصورة سلاطين يُنظَر إليهم كمجاهدين وأبطال، "لم يكن هذا هو هدفي على الإطلاق، فلكل عصر حسناته وسيئاته، ووجود مزايا لعصر لا ينفي وجود عيوب ومن غير الصائب علميّا إنكارها، بل ينبغي الحرص على تقديم صورة متكاملة للعصر وللشخصيات التاريخية بإيجابياتها وسلبياتها". وقد رصدت "رشا" وجود الظاهرة بين السلاطين والأمراء والأدباء بل حتى بين خطباء المساجد والفئة التي تعرف بـ"علماء الدين"، ولم يقتصر الأمر على الطبقة العليا فالعامّة عادةً تقلد أفراد هذه الطبقات، "كان هدفي أيضا تقديم العبرة لمجتمعاتنا المعاصرة بإلقاء الضوء على الآثار المترتبة على انتشار الظاهرة في مجتمع ما، حيث يؤدي تناول المسكرات كالخمور وغيرها إلى انتشار الجرائم التي يصل بعضها حد شنيعا كالاعتداء على المحارم، كما تضمّنت رسالتي".

تحديات

إذا عدنا للوراء قليلا نجد "رشا" قد التحقت في طفولتها بمدرسة "النور" للبنات الكفيفات بالإسكندرية، وكانت مدرسة داخلية تقيم فيها إقامة كاملة، وقد ارتبطت بها وبصديقاتها فيها ارتباطا وثيقا، حتى إن الصديقات التحقن بالكلية نفسها وبالقسم نفسه، "التحاق صديقاتي بقسم التاريخ شجعني للاتجاه نفسه كي نكمل طريقنا سويا"، ولم تكن "رشا" تخطط لاستكمال دراستها العليا بعد الليسانس ولكن تشجيع والدها  ورغبته في أن تحصل ابنته على الماجستير ثم الدكتوراه دفعها لهذا الطريق الذي لم يكن سهلا ميسرا بل واجهت خلاله العديد من التحديات، منها إقامتها في محافظة أخرى (محافظة البحيرة المجاورة للإسكندرية) ومن ثم كان الانتقال من وإلى الكلية يتطلب جهدا مضاعفا، كما أن الكتب التي تحتاجها وتعتمد عليها في دراستها ليست كلها متوفرة بصيغة "وورد" التي تتيح لها الاطلاع على هذه الكتب من خلال البرامج الإلكترونية الناطقة، فمنها ما هو غير موجود بهذه الصيغة ولا حتى مطبوع بطريقة "برايل"، خاصة بالنسبة للمصادر التاريخية الكبرى متعددة الأجزاء، فكان لا بد من النزول إلى المكتبة وقضاء أوقات طويلة برفقة مساعد يتولى القراءة لها، وهو ما لم يكن متوفرا دائما، مما قد يتسبب في تعطيلها أوتضييع وقتها "لكن الحمد لله بالصبر والتوكل على الله كانت الصعوبات تُذلّل وكثيرا ما شعرت بأن الله يرسل لي أناسا كثيرين يساعدونني، وبعد 3 سنوات أو أقل كنت قد أنجزت رسالتي للدكتوراه". وقد مرت على "رشا" -كما تحكي- فترات صعبة للغاية شعرت خلالها بأنها لا تستطيع أو حتى لا تريد استكمال مسيرتها البحثية خاصة في مرحلة الماجستير، حيث رأت أنها بطيئة الإنجاز في قراءة المصادر التراثية الضخمة التي ينبغي أن تقرأها بالكامل، وكانت آنذاك تعتمد بصورة أساسية على من يقرأ لها، لكن في مرحلة الدكتوراه باتت الأمور أسهل كثيرا بالاعتماد على البرامج الناطقة، لذلك تتمنى رشا من القائمين على رفع الكتب على الإنترنت بصيغة "وورد" أن يحرصوا على زيادة نسبة الكتب المتاحة بهذه الصيغة لأنها تخدم الباحثين المكفوفين بدرجة هائلة. ومن أصعب الأمور التي واجهتها "رشا" إصابة والدتها بمرض خطير توفيت على إثره بعد عام، وكان لهذا بالطبع أثره النفسي الكبير فيها وفي إخوتها وأسرتها، ومن ناحية أخرى زادت المسئوليات الملقاة على الأبناء لإدارة شئون المنزل التي كانت الأم تتولاها، كل هذا جعلها تتوقف عن الدراسة وتمكث في المنزل لمدة سنتين دون أن تنجز شيئا في دراستها، ثم حدث أن حضرت مناقشة رسالة إحدى صديقاتها التي كانت تحت إشراف الأستاذ نفسه، فأخذ يشجّعها للعودة والعمل في رسالتها، وكذلك فعل زملاؤها "أحيانا يكون لكلمة بسيطة تأثير هائل لا يتخيله قائلها، فأنا لا أنسى هذا الموقف وكم أثرت في كلمات التشجيع التي سمعتها وقتها حتى من أناس لا تربطني بهم علاقة قوية، فشعرت كما لو أن القدر أتى بهؤلاء في طريقي في هذا التوقيت كي أعود مرة أخرى، وبالفعل عدت لرسالتي وقررت أن تكون عودتي مختلفة لأني لم أكن راضية عن عملي في السابق فاعتزمت أن آخذ الأمور بصورة أكثر جدية وأن أكمل أي نقص أعاني منه".

روشتة نجاح

عن واقع البحث العلمي في الجامعات المصرية تقول: "المشكلة حاليا استسهال الباحثين وتناولهم موضوعات سبق تناولها، وقد يتحايلون بإجراء تعديل بسيط في العنوان هربا من تطابق العناوين، ولم يعد لدى الباحث الرغبة والحماس ليخلق بعمله شيئا من العدم ، بل صار الحصول على الدرجة هو الغاية لتحقيق قدر من الوجاهة الاجتماعية ربما أو غير ذلك من أغراض، بينما هدف الباحث ينبغي أن يكون ترك أثر وبصمة في مجاله، فالعمل الجيد هو الذي يبقى. ومن ناحية أخرى لا يعطي الأساتذة المشرفون في كثير من الأحيان الاهتمام الكافي لطلابهم فتكون النتيجة رسائل مليئة بالأخطاء. أما الظاهرة المخزية فهي اعتماد البعض على رسائل جاهزة تُعَدّ لهم مقابل مبلغ مالي وهم فقط يضعون أسماءهم عليها، فيتساوى من يعمل ومن لا يعمل ويفوز بالمزايا من لا يستحقها، وهو أمر يوجد في مصر وفي دول عربية أخرى."

وتنصح "رشا" طالب الدراسات العليا بأن يأخذ الأمر بجديّة، وأن تكون لديه رغبة حقيقية في تقديم شيء جديد، وأن يسعى لتكون رسالته مرجعا فيما بعد في موضوعها، لا أن يكون نسخة من باحثين سابقين، كما تنصحه بتحرّي الأمانة العلمية فعندما ينسب الطالب العلم لأصحابه تحلّ البركة في علمه، مع الحرص على احترام أساتذته وإجلالهم مهما علا قدره، وأن يؤدي عمله بإحسان وبدون تهاون ويترك النتائج على الله الذي لا يضيع أجر من اجتهد، ومن المهم ألا يتأثر بكلمات الإحباط التي يمكن أن يسمعها من المحيطين بل يضع نصب عينيه هدفا واحدا: "أكون أو لا أكون".

نظرة المجتمع للمكفوفين

لا يعجب "رشا" أن الغالبية العظمى في مجتمعاتنا تنظر للكفيف على أنه شخص مهمّش أو عالة على غيره غير قادر على العمل والإنجاز وعاجز عن خدمة نفسه، "لا يعرف هؤلاء أن الكفيف يستطيع أن يفعل كل شيء، وبشكل شخصي أقوم بكل المهام التي يمكن أن يقوم بها أي إنسان مبصرفي منزله في حياته اليومية، ولي صديقات تزوجن وأنجبن وأقمن بيوتا وهن مثلي كفيفات، وهناك من يفشلن أيضا، فالكفيفات مثلهن مثل المبصرات تماما، حتى مسألة الحصول على الدكتوراه لا أراها شيئا يستدعي انبهار الناس، بل هي أمر عادي، فقدان البصر مثله مثل أي تحد آخر يمكن أن يواجه المرء في حياته وتختلف مواجهته من شخص لآخر، فمن يفكر بطريقة إيجابية سيحقق هدفه ومن لا يرى سوى السلبيات سيفشل، سواء في ذلك المبصر والكفيف". كما أنها لا تحب تعبير "متحدّي الإعاقة" إذ لا تعتبر الأمر إعاقة "على العكس من الممكن أن يكون له فضل على الإنسان بدفعه أكثر للعمل والإنجاز، وكثير من المكفوفين حولنا نجحوا ونبغوا في تخصصات مختلفة وصعبة مثل برمجة الحاسب وصيانته، ومنهم من يعملون كأساتذة جامعات ورؤساء أقسام."

أما عن المستقبل فلا يبدو واضحا تماما في ذهن "رشا" حاليّا، تتمنى أن تجد مكانا للتعيين كأستاذة في إحدى الجامعات ويسوؤها بالطبع ألا يجد أمثالها الفرصة المناسبة رغم ما بذلوه من جهد وما يملكون من قدرة على العطاء البحثي "يصعب عليّ أن أقول إنني يمكن أن أضطر للتوقف عن العمل البحثي بعد كل هذا الجهد ولكني أتمنى أن أجد الفرصة المناسبة التي تعينني على الاستمرار". وهي حاليا تشغل وقتها بالقراءة، كما بدأت تحفظ القرآن الكريم وتتعلّم التجويد والتفسير، وأمنيتها أن تُتمّ حفظه كاملا فهذا تشريف كبير لأي إنسان. وعن مسألة الارتباط تقول: بالطبع الزواج هو سنة الله ولكني لا أشعر أن عدم زواجي حتى الآن يؤثر في بالسلب أو أنّ شيئا كبيرا ينقصني، كالبنات اللائي يعتبرن أن من لم تتزوج قد فاتتها الدنيا كلها، على العكس أرى الأمر يمكن أن يكون مزية، فقد أتاح  لي الوقت الكافي لأدرس وأتعلّم وأفعل ما أود فعله، والمسألة بالنسبة لي لا تمثل أزمة".

وهكذا، وكعادتها، تنظر رشا للأمور كلها بنظرة إيجابية، ولا تشغل نفسها سوى بالعمل وانتظار الآتي بقلب ملؤه التفاؤل، وما تزال تمضي في الحياة  بعزم وأمل رغم كلّ التحديات، أما أنا فما زال نورها يغمرني، وكلماتها تمدّني بالإلهام.


...................

نُشر في موقع مجلة ميم عام 2018 ضمن سلسلة #قصص_نجاح_عربية



Comments