The short film The Tragedy of Dr. Hosni (AR)

 الفيلم القصير مأساة الدكتور حسني



هل من حقنا أن نحاكم الآخرين وفقا لمعاييرنا أو لتجربتنا في الحياة؟ بمعنى أن نرى أنهم لا يستحقون ما وصلوا إليه لأنهم لم يبذلوا نفس ما بذلناه، ومع ذلك نجحوا وحققوا ما حققناه نحن بالكثير من الجهد والحرمان.. تساوت الكفتان رغم أنهم لم يعانوا مثلما عانينا! هل يمكن أن يكون أخذنا للأمور بالكثير من الجدية والقسوة على النفس في سبيل تحقيق الأهداف لعنة تلاحقنا في قابل الأيام وتسبب لنا أزمة نفسية؟

د. حسني أستاذ جامعي، يشعر بالحقد على معيد شاب عُيِّن بالكلية حديثا، لأنه من وجهة نظره لا يستحق ما هو فيه، فهو لا يمتلك جدارة علمية ولا حتى مظهره يليق بعضو هيئة تدريس من المفترض أن يتسم بالجدية والوقار، يقول إنه نجح بالغش ولا يعجبه أن ينقد آراء أساتذته في السكاشن التي يدرّس بها، ويتهكم على زملائه "الأغبياء" المعجبين به على اعتبار أنه يمثل الطراز الجديد من الِأساتذة الجامعيين، ولا يعجبه أيضا  أنه يفتح هذا المعيد أزرار القميص لتظهر السلسلة التي يرتديها.. "من العيال المدلعين اللي اتولدوا وفي بقهم معلقة دهب"   

في مناقشة الماجستير يجد د. حسني الذي كان عضوا في لجنة الحكم الفرصة ليخرج ما بداخله تجاه المعيد الشاب، هو يرى أن رسالته بلا قيمة علمية، ولا تستحق أن تُمنح الدرجة، فكان قاسيا في توجيه النقد بل جعله أضحوكة الطلاب في المدرّج، وأقنع اللجنة برأيه فلم يُمنح المعيد الدرجة، وضاعت عليه منحة للدراسة بالخارج كان مرشحا لها، بعد انتهاء المناقشة يشعر د. حسني بالذنب لأنه يكتشف أن والدة المعيد كانت حاضرة للاحتفاء بابنها والفرح معه لكن حدث العكس.

طوال الوقت يعيش د. حسني في صراع، ما بين اقتناعه التام بعدم استحقاق هذا المعيد لأن يكون زميلا له في السلك الأكاديمي، وشعوره بالحقد نحوه وباحتقاره، وبين الشعور بالذنب لأنه ألحق به الأذى في مستقبله.

 يلجأ د. حسني لطبيبة نفسية لتجد له حلا لما يعانيه، خاصة أنه يرى أحلاما يكون هذا المعيد طرفا فيها، ثم في اليوم التالي يكتشف أن المعيد على علم بها، ذات مرة مثلا حلم أنه تشاجر معه وحطم زجاجة على رأسه، في اليوم التالي، في مكتبة الكلية، يجلس المعيد ويُسأل عن حاله فيجيب بصوت عال ناظرا للدكتور حسني: حاسس بصداع كأن حد كسر إزازة على دماغي!

تفسر الطبيبة النفسية  الأمر بأنه "تهيؤات" من جانب د. حسني لإحساسه بالذنب ناحية المعيد، ولكن زوجها الصحفي يرى أن هذا نوع من التخاطر أو ال Telepathy ، وأن في الأمور بوجه عام يوجد جانب غيبي لا يفسره العلم. وهذه فكرة أخرى يطرحها الفيلم هي أن العلم لا يمكنه أن يفسر كل شيء وأن هناك غيبيات عصيّة على التفسير العلمي.

 تقول الطبيبة لـ د. حسني إن حل مشكلته أن يذهب ويعتذر للمعيد، فيثور ويعلن أن ذلك مستحيل، "أفضّل أني أموّت نفسي"!

من حوار بين الطبيبة النفسية وزوجها الصحفي حول الأستاذ والمعيد: 

-هو أذاه عشان بيكرهه.. أنت لما تفكر في حياة د. حسني هاتلاقي كل حاجة فيها كانت مرسومة عشان يوصل للمركز الكبير ده، كان كل همه أنه يتفوق وأنه يسبق، وفي سبيل كده ضحى بحاجات كتير، حاجات كان كل الشبان اللي قده بيتمعتوا بيها، وكبر، وفضل طول عمره فاكر ان هو الكاسب في الصفقة دي، لحد حسام ما بقى معيد، وحسام ده حد مش حارم نفسه من أي حاجة، عايش حياته بالطول والعرض، بيلعب ويسهر، بيحب البنات والبنات بتحبه، ومع ده كله قدر يتفوق ويبقى معيد، يعني بكره يبقى أستاذ زيه، من غير ما يدفع التمن، من غير ما يضحي

-وبالطريقة دي أصبح حسام دليل حي بيشوفه كل يوم يثبت له أن كل تضحياته ما كانلهاش معنى، كانت غباوة منه، الدليل ده لازم يتمحي من الوجود، يعني اللي لازم يتخاف عليه هو المعيد مش الأستاذ.

-كرهه ليه مش سبب أنه يروح ويؤذيه

- أنا ما قلتش كده، ساعات بيبقى كفاية بس انك تتمني الأذيّة لحد عشان يتأذي فعلا.

-علميا الكلام ده مش ممكن

-انت ليه مش عايزة تعترفي ان فيه ظواهر مش ممكن العلم يفسرها

يتأخر د. حسني عن موعده مع الطبيبة على غير عادته، تتصل لتسأل عليه في منزله فتعلم أنه توفي في حادث سيارة، في موعد متزامن يُنشر خبر في الصحف بوفاة معيد شاب في ظروف غامضة!

هل حلم د. حسني بأنه يقتل المعيد مثلا فعرف أن ذلك سوف يتحقق في الواقع فذهب ليعاقب نفسه بالانتحار وهو يقود سيارته ؟ في لقاء سابق له مع الطبيبة ذكر هذا السيناريو، ووجد أن ذلك حل، أن يقتله في الحلم فيصبح المعيد ميتا دون أن يكون له أدنى مسئولية. ولكن عقدة الذنب تلاحقه.

هناك لفتة مهمة في الفيلم، في عزاء د. حسني في بيته بعد وفاته مباشرة، كانت الآية القرآنية التي تُقرأ ".. ٱعْمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ" ثم الآية التي تليها "..فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ.."

ربما كانت نجاة د. حسني ونجاة من حوله في تقدير نعم الله عليه وشكرها والعمل بما يجيد، وليس مقارنة نفسه بالآخرين وبين مشوراه ومشوارهم، كما أن الآية الأخرى تؤكد فكرة الغيب وأن ليس كل شيء يمكن تفسيره على أساس مادي.

يونيو 2020

الفيلم أذيع على قناة ماسبيرو زمان

Comments