الصحــافة السودانيــة في ظـلّ الحـــرب

الصحافة السودانية في ظلّ الحرب



الخرطوم في الأشهر الأولى من الحرب (محمد نور الدين عبد الله/رويترز)

منى علام  

   تدخل الحرب في السودان منتصف الشهر المقبل عامها الثالث، بما لها من آثار مروّعة على الشعب السوداني: من قتل واعتداءات جنسية ونهب وتشريد.. وقد تعرّض الصحفيون السودانيون بدورهم لمخاطرَ وانتهاكات لم يُوثّق سوى بعضها، مع صعوبات الحركة والتنقل بين المناطق، وانقطاع الاتصالات أو ضعفها، بما حدّ كثيرا من قدرتهم على التغطية الميدانية للحرب. وفي ظل توقّف شبه كامل لوسائل الإعلام المحلية ومن ثم عدم وجود جهات نشر يمكن أن تستوعب عملهم، ومع ضرورات إعالة ذويهم، اضطُّر كثير منهم لترك مهنة الصحافة وممارسة مهن أخرى، كما اضطُّروا للنزوح للولايات الآمنة أو الهجرة إلى دول الجوار وبينها مصر، لأولويات سلامتهم وسلامة أسرهم، حيث واجهوا أيضا هناك العديد من التحديات. وقد كانت الصحافة والصحفيون في السودان يعانون من قبل الحرب، وفي ظل نظام البشير، من تضييقات وتدخلات أمنية وانتهاكات، لتتجه أوضاعهم بعد اندلاعها إلى الأسوء. وانعكست التطورات والانقسامات السياسية في البلاد على التمثيل المؤسسي للصحفيين السودانيين، ما بين الاتجاهات الثورية، والمؤسسات المنتمية لعهد النظام السابق.

في كلمتها في ندوة عُقدت مؤخرا بنقابة الصحفيين المصريين بالقاهرة عن تحديات صحفيي الحروب، واستضافت صحفيين من غزة وسوريا واليمن والسودان.. تحدّثت الصحفية السودانية إيمان فضل السِّيد التي تشغل منصب سكرتيرة الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين عن "حالة من الإظلام الإعلامي" للحرب في السودان، وانتشار للمعلومات المضللة، بسبب السيطرة والتحكم من طرفي الصراع في المعلومات المنشورة بما يجعل من الصعب التحقّق من صحتها أو دقتها، وعن عدم قدرة الصحفيين في السودان على التغطية المباشرة أو استخدام الكاميرا، حيث يجري استهدافهم بالقتل أو الاعتقال أو مصادرة الهواتف والكاميرات، مما يؤدي لعدم توثيق الجرائم والانتهاكات، ومن ثمّ إفلات مرتكبيها من العقاب.

20 صحفيا فقدوا حياتهم خلال الحرب

وفقا لتقارير نقابة الصحفيين السودانيين لرصد الانتهاكات بحقّ الصحفيين لا سيّما خلال الحرب، بلغ عدد الصحفيين السودانيين الذين فقدوا حياتهم منذ اندلاع الحرب حتى نهاية العام الماضي 20 صحفيا بينهم خمس صحفيات. منهم: المصوّر عصام حسن، وهو -كما يذكر التقرير- أحد أبرز المصوّرين بتليفزيون السودان، وقد وُجد ميتا في منزله في أم درمان، ووفقا لرواية ابنه حسن التي ينقلها التقرير، فإنه قُتل في يوليو 2023 برصاصتين إحداهما في الرأس على يد مجموعة من قوات الدعم السريع، بعد أن رفض إخلاء منزله، ودُفن في فناء المنزل. والصحفية سماهر عبد الشافع من إذاعة زالنجي بوسط دارفور بقذيفة على معسكر الحصاحيصا للنازحين الذي كانت قد نزحت إليه (2023). وخالد بلل الذي قُتِل على يد مجموعة مسلحة اقتحمت منزله ليلا بمدينة الفاشر بولاية شمال دارفور (مارس 2024). وإبراهيم عبد الله (شو تايم) وهو ناشط إعلامي مستقل قُتل بقذيفة على منزله بمدينة الفاشر أيضا، في يونيو 2024، وكانت المنطقة تحت سيطرة قوات الجيش والقوات المشتركة (قوات الحركات المسلحة الدارفورية، وهي تقاتل إلى جانب الجيش).  وحنان آدم من صحيفة الميدان التي اقتُحم منزلها بمنطقة ود العشا بمحلية جنوب الجزيرة وقُتلت هي وشقيقها من قبل قوات الدعم السريع في ديسمبر 2024.  وبخيتة آدم مسعود من الإذاعة السودانية نتيجة إصابتها بشظايا من الاشتباكات الدائرة بين طرفي الصراع في الخرطوم بحري (ديسمبر 2024)، وقد كُتِب في خانة جهة الاعتداء "غير معلومة". 

وهناك صحفيون لقوا حتفهم وهم قيد الاعتقال بمعتقلات الدعم السريع، كصحفيي قناة الخرطوم بالهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون: مكي عبد الوهاب وهشام الخاتمي ومنتصرعلي، منهم من تعرّض للتعذيب، وجاءت وفاته بسبب مضاعفات مرضية وعدم توفير العلاج له، وفي الحالات الثلاث  كما يشير التقرير "لا يوجد تاريخ دقيق للوفاة ولا يعلم أهله المكان الذي دُفن فيه".

 إلى جانب حالات الإصابة، والاعتداء والتحرش الجنسي كالذي تعرضت له الصحفية فاطمة علي سعيد على يد قوات الدعم السريع في منزل عائلتها بأم درمان. 

إخفاء قسري واعتقال واحتجاز

بلغ العدد الكلي لهذه الحالات 69 بينهم 13 صحفية، بما في ذلك من توفوا أثناء الاعتقال ومن أطلق سراحهم لاحقا بعد فترات متفاوتة. وتضمّنت هذه الحوادث تفتيش الهواتف ومسح الصور والتقارير، ومصادرة الهواتف وكذلك معدات العمل، أو وثائق الهُوية، والتعرض للضرب والشتم والتعذيب والتهديد بالتصفية حال الإبلاغ عن الاعتقال أو البقاء في المنطقة، والاتهام بالتخابر مع الجيش، أو بأن الصحفي أو الصحفية خلايا نائمة للدعم السريع بالمنطقة وتهديد للأمن الوطني. وشملت أسباب الاعتقال التغطية الميدانية لانتهاكات ضد مواطنين والتقاط صور، أو إجراء مقابلات ميدانية، أو مجرد التعرّف على الهوية الصحفية، أو التحدث برأي في مجلس عام كما في حالة الصحفي نادر خلف الله بعد تحدثه عن ضعف قوة الجيش في مجلس عام فاعتقلته استخبارات الجيش بمدينة بورتسودان، أو الانتماء العرقي او الجهوي مما يجعل الصحفي أو الصحفية عُرضة للتصنيف بأنه تابع لطرف معين، أو نشر تقارير صحفية، أو مقالات انتقادية على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي حالات كانت جهة الاختطاف مجموعة مسلحة مع طلب فدية لإطلاق سراحه، وأخرى وقعت في مصر كما حدث مع الصحفي عماد ميرغني وأربعة صحفيين آخرين من قناة "سودان بكره" اعتقلتهم السلطات المصرية في سبتمبر 2024 بعد مداهمتها مقر القناة بالقاهرة لعدم امتلاكها ترخيصا، حسب ما تذكر تقارير النقابة.

انتهاكات أخرى

وشملت الانتهاكات الأخرى إطلاق النار كالذي حدث مع صحفي مستقل يحجب التقرير اسمه ويسجل جهة الاعتداء بأنها غير معلومة، وقد وقع الحادث أمام منزل الصحفي بمحلية كرري بأم درمان  أثناء وقوفه مع أفراد أسرته في أغسطس 2023 وأُبلغ عنه في ديسمبر 2024، حيث أطلق عليهم شخص على دراجة نارية رصاصة من سلاح ناري، مُصيحا باسم الصحفي الذي كان قد نشر تقريرا في صحيفة عربية عن جثث ملقاة في الطرقات.

وبلاغات النشر التي تُسجّل ضد الصحفيين وتُعدّ كما يذكر التقرير وسيلة ترهيب لهم، والفصل التعسفي، والنهب المسلح لمنازلهم، والتهديدات الشخصية عبر الاتصال أو الرسائل، والتهديدات العامة كحملات التحريض ضد الصحفيين على مواقع التواصل، والمنع من التغطية بالقوة من قبل السلطات، وكذلك تعديل قانون جهاز المخابرات العامة بما يعطيه المزيد من السلطات والصلاحيات ومن ثم يهدّد الحريات العامة، وتعقيد إجراءات الحصول على إذن العمل للصحفيين والمراسلين..

تمثيل الصحفيين السودانيين

الأحداث السياسية التي مرّ بها السودان في السنوات الأخيرة منذ الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في ديسمبر 2018 ضد رئيس الجمهورية عمر البشير وقادت لإزاحته من قبل الجيش في إبريل 2019، مرورا بانقلاب قائد الجيش في أكتوبر 2021 على الحكومة المدنية وحلّه مجلس السيادة الذي كان قد تشكّل -وفق اتفاق تقاسم السلطة الموقّع في أغسطس 2019- من مدنيين وعسكريين لإدارة المرحلة الانتقالية التي كان من المفترض أن تستمر لـ 39 شهرا، حتى اندلاع الحرب الحالية بين الجيش والدعم السريع في إبريل 2023، كان لها بطبيعة الحال تأثيرها في واقع تنظيم وتمثيل الصحفيين السودانيين، وسط حالة عامة من الانقسام والاستقطاب السياسي والأيديولوجي في البلاد. كان المتحدث السوداني الآخر في ندوة نقابة الصحفيين بالقاهرة أبيّ عز الدين، من الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، وهو اتحاد قائم في السودان منذ عقود، وقد سبق حلّه في ديسمبر 2019 -ضمن اتحادات ونقابات أخرى- بقرار من اللجنة التي شُكّلت آنذاك باسم لجنة إزالة التمكين وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989، قبل أن يُلغى القرار في أكتوبر 2022 ويعود الاتحاد لمزاولة نشاطه. ولا يزال هو العضو الرسمي عن السودان لدى اتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين.

بالنسبة لنقابة الصحفيين السودانيين، فقد تأسست قبل نحو عامين ونصف حيث انتُخب مجلسها في أغسطس 2022. توضح إيمان فضل التي التقيتُها لاحقا مع وليد النور السكرتير الاجتماعي للنقابة بأن حكومة البشير عند توليها السلطة حلّت النقابات المهنية وأحلّت محلّها اتحادات يسيطر عليها الموالون لها، كما جرى "إغراق" السجل الصحفي -على حد تعبيرها- بأعضاء ليسوا في الأصل صحفيين بل من تخصصات أخرى من خلال الحصول على البطاقة الصحفية بعد اجتياز امتحان القيد الصحفي، ويضيف وليد النور أن الاتحاد ضمّ أيضا أعضاء من الأجهزة الأمنية، ومن هنا أتت جهودهم لـ"استعادة النقابة"، اعتمادا على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم  87 المتعلقة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم التي وقّع عليها السودان خلال الفترة الانتقالية.

حالة المذيع أحمد عربي

ينعكس ذلك على توثيق الانتهاكات بحق الصحفيين وتحديد الجهة المسئولة عنها، كما في حالة المذيع بقناة النيل الأزرق أحمد عربي الذي قُتِل بداية العام الماضي، ففي كلمته بالندوة قال أبيّ عز الدين إن عربي تعرض للاختطاف من منزله والتصفية بعد كشفه عن هويته الصحفية ظنّا منه أنها سوف تحميه، وإن المنطقة في ذلك الوقت كانت تحت سيطرة الدعم السريع. بينما وفي حديثي اللاحق معها تقدم إيمان فضل رواية مختلفة، إذ قالت إن أول رواية ظهرت بخصوص مقتل عربي أنه قُتِل برصاصة طائشة، ولكن فيما بعد، وبعد سؤال عدد من المصادر من الجيران ومن بعض أقاربه بخلاف أفراد أسرته الذين رفضوا التصريح ربما لتعرضهم لضغوط أو تهديد كما تقول، فإن الرواية الأرجح والتي سجلتها النقابة في تقاريرها أنه بعد أن أعادت قوات الجيش سيطرتها على منطقة العبّاسية بأم درمان حيث يقع منزل المذيع وقيامها بتمشيطها واقتحام منازل المواطنين الذين ظلوا موجودين خلال فترة سيطرة الدعم السريع عليها، اقتحمت قوة مسلحة ترتدي زيّ الجيش منزل المذيع وفتّشوه وحققوا بعنف مع الموجودين فيه، ثم اقتادوا عربي خارج المنزل وسُمع بعدها صوت نقاش حاد بينهم ثم صوت رصاص، عقب ذلك دخل أفراد من هذه القوة وأبلغوا أهله أنه قُتِل برصاصة طائشة، بينما أفاد بعض الجيران أن أحد افراد هذه القوة هو من أطلق عليه الرصاص، أي أنه أعدم أثناء المداهمة، على حد قولها.

طرفا الصراع

وبينما يستخدم ممثل الاتحاد العام للصحفيين وصف "الميليشيا" لقوات الدعم السريع (في مقابل الجيش أو القوات المسلحة) يستخدم ممثلو النقابة تعبير "طرفي الصراع"، إذ يهتمون برصد انتهاكات الجيش وانتهاكات الدعم السريع كليهما. وتتمثل أبرز انتهاكات الجيش كما يقول وليد النور في قصف المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع بالطيران مما يؤدي إلى مقتل أعداد من المدنيين الذين اضطروا للبقاء في هذه المناطق، وإن هناك استغلالا سياسيا وإعلاميا من كل طرف للضحايا المدنيين الذين يسقطون على يد الطرف الآخر. ويشير وليد وإيمان أن للجيش أيضا ميليشياته المتمثلة في كتائب خارجية مكوّنة من المنتمين للحركة الإسلامية وأعضاء حزب المؤتمر الوطني الذي حكم السودان لثلاثين عاما وصار له تغلغله داخل مؤسسات الدولة ومنها المؤسسة العسكرية. من انتهاكات الجيش أيضا كما أوضحت إيمان أن قواته أو الميليشيات التابعة له بعد سيطرتها على مناطق كان الدعم السريع يسيطر عليها تنفذ إعدامات خارج القانون لمواطني هذه المناطق على خلفية اتهامهم بأنهم موالون للدعم السريع أو متعاونون معه، كما حدث في ولايتي الخرطوم والجزيرة، على حد قولها. ويتمثل موقف النقابة كما تحدّث الصحفيان في الانحياز لإيقاف الحرب، حيث المتضرر الأكبر منها هو المواطن المدني، والتي لن تنتهي بانتصار أحد الطرفين وفقا لتجارب السودان السابقة، كحرب الجنوب وحرب دارفور، استمرّت كل منهما سنوات طويلة ولم تنتهِ إلا بالتفاوض.

الصحفيان السودانيان إيمان فضل ووليد النور - نقابة الصحفيين المصريين بالقاهرة

تجارب النزوح

باندلاع الحرب في الخرطوم، لم يعد باستطاعة وليد النور الوصول إلى مقر الوكالة الإعلامية التي يعمل بها، والواقعة بالقرب من القصر الجمهوري، وهي المنطقة التي تتركز فيها مقرات وسائل الإعلام وقد صارت منطقة قتال. تحوّل وليد لكتابة مقالات وتحليلات لمواقع إلكترونية سودانية، أو الظهور كمحلل في قنوات إخبارية خارجية، ومع سوء الإنترنت والاتصالات كان من الصعب أن يستمر تواصله معها.

أخرج وليد أسرته إلى كُردفان حيث تعود أصوله، وبقى هو في أم درمان -حيث يقيم- لأكثر من شهرين، قبل أن يقرر النزوح إلى ولاية الجزيرة. كانت الحافلة في طريق النزوح تمر على ارتكازات (نقاط تفتيش) للجيش وأخرى للدعم السريع في الخرطوم، حيث قُسّمت العاصمة المثلثة (الخرطوم، بحري، أم درمان) إلى مناطق سيطرة بين الفريقين، وبدأت ارتكازات الدعم السريع بعد جسر أم درمان، ويقول وليد إن الناس لتسهيل مرورهم عبر هذه الارتكازات يحرصون على ارتداء ملابس رثّة على حد تعبيره بحيث يظهرون كناس عاديين، لا توحي هيئة الفرد فيهم بأنه من الجيش أو مسئول بالدولة وهي الفئات التي كان يتعقّبها الدعم السريع.. كذلك عدم إبداء أي اعتراض عما يطلبه منهم هؤلاء، أو مجادلتهم، حتى يمرّوا بسلام. وبالنسبة للصحفيين فيحرصون على إخفاء هويتهم الصحفية تجنبا للأذى أو الاتهام بأنهم يعملون مع الاستخبارات العسكرية للجيش.

ويُكمل وليد أن الذين يُوقِفون الناس في هذه الارتكازات أعمارهم في حدود 17 و18 عاما، وهم من قبائل الغرب (دارفور)، كانوا يجبرون ركاب الحافلة الرجال على النزول، وقد يوجهون لهم إساءات، ويُمسكون بطاقة الهوية بالمقلوب فهم لا يعرفون القراءة، ويعتمدون على التدقيق في الصورة التي بها للتأكد من أنها صورة حاملها بالفعل. 

خلال الأشهر التالية عمل وليد كمنسق لمشروع تدريبي للصحفيين ممثِّلا للنقابة بدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، شمل تدريبات حول تغطية النزاعات، ومحاربة الأخبار الكاذبة والمضللة وخطاب الكراهية، في عدد من الولايات السودانية (في مدني وبورتسودان وعُطبرة والقضارف). بعدها سافر إلى أديس أبابا بأثيوبيا لحضور بعض الدورات التدريبية، ومنها إلى مصر في يونيو 2024.

نزحت إيمان يوم عيد الفطر، حيث أُعلِنَت هُدنة، مع ابنتها ذات الخمسة أعوام من منطقة بُرِّي بالخرطوم، القريبة من مطار الخرطوم والقيادة العامة للقوات المسلحة حيث كانت الاشتباكات مستمرة على مدار اليوم، إلى أطراف أم درمان حيث يقع منزل عائلتها وكانت الأوضاع فيها آنذاك مستقرة، وبقيت هناك لمدة شهر تحاول أن تمارس عملها الصحفي والتوثيقي لكن المشكلة كانت انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وكذلك انقطاع أو ضعف شبكة الاتصالات والإنترنت الذي عانت منه معظم الولايات السودانية لشهور، كما تقول.

تضيف أنه في المناطق التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع كان يمكن أن توفر هذه القوات أجهزة "ستارلينك" للاتصال بالإنترنت لبعض المواطنين ولكن باسعار مرتفعة، وحتى في حالة توفر الإنترنت تظل خطورة تفتيش الهواتف والتعرض للاعتقال حال وجود صور توثق الانتهاكات أو مواد صحفية.

ومع قصف "سوق قندهار" القريب من منزل عائلتها بطيران الجيش، ووجود قنّاصة من الدعم السريع في العمارات المقابلة، نزح أفراد عائلتها إلى ولايات أخرى، بينما فضّلت إيمان الاتجاه إلى مصر، فغادرت إلى الولاية الشمالية، ومنها إلى حَلْفا، ودخلت مصر رسميا بصحبة ابنتها في مايو 2023، وكان الدخول وقتها للنساء، والأطفال، والرجال فوق 50 عاما، بدون تأشيرة.

أوضاع الصحفيين السودانيين في مصر

لا يوجد حصر بعدد الصحفيين السودانيين الذين جاءوا إلى مصر بعد الحرب ولكن العدد يمكن أن يُقدّر على الأقل بثلاثمئة صحفي، حسبما يفيد وليد النور السكرتير الاجتماعي لنقابة الصحفيين السودانيين. آخرون اتجهوا إلى أوغندا أو كينيا، وهناك من ذهب إلى السعودية أو الإمارات، حيث كانت الأولوية لديهم سلامتهم وسلامة أسرهم بغض النظرعن إمكانية إيجاد فرصة عمل أو لا. بينما بقى العدد الأكبر في السودان وقد توقفوا عن مهنة الصحافة واضطروا لممارسة مهن أخرى زراعية أو تجارية لتوفير دخل للمعيشة في الولايات التي نزحوا إليها، كما يقول وليد. وأضاف أن ابرز التحديات التي يواجهها الصحفيون السودانيون في مصر أنهم بلا عمل، وقد اتجه كثير منهم للتسجيل في مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، ويعتمد أغلبهم على دعم أقاربهم الموجودين في دول الخليج أو أوربا أو في الولايات المتحدة، وأن عددا قليلا جدا يمكن أن يراسل مواقع سودانية، وهي مواقع صغيرة محدودة الإمكانيات.


Comments