لا أُفُق، لا ضمانات. هكذا سأصف باختصار الوضع في منصات النشر العربية بالنسبة للصحفيين المستقلين. وبالرغم من أن الشخص عادة ما يتحدّث ويرى الأمور بناء على تجربته الشخصية، فإن هذا الحكم لا يبدو شخصيا تماما بالنظر إلى ما ينشره زملاء وزميلات من حين لآخر من شكاوى من الوضع في منصات مختلفة يتعاونون معها.
الشكاوى المتكررة تتمثل في: تأخر النشر، تأخر الرد على الأفكار أو عدم الرد أصلا، ضعف المكافأة المالية، تأخر إرسالها، عدم النشر بعد التعب في إنجاز الموضوع أو جزء منه، ودون تعويض..
عندما أقول إن هذه المنصات هي منصات بلا أفق، أعني أنه مهما بذلتَ فيها من جهد، وعلى مدار فترات طويلة، فلا إمكانية لتطوُّر وضعك المهني داخل "المؤسسة" إن كانت هذه تسمية معبّرة، أو ترقٍّ في هيكل إداري حال وجوده، أو تقدير لأقدميتك وجهدك السابق مع الموقع، أو حتى زيادة في المكافآت التي قد لا تتناسب مع جهدك خاصة في حالة كتابة موضوعات طويلة، وكلّما مر الوقت لن تتناسب مستقبلا مع عدد سنوات خبرتك وتطور عملك. بالعكس، يمكن أن يُخفّض المقابل المادي، حيث تجد نفسك مطالبا بتحمل أي انخفاض مفاجيء للموارد.
مِن الغريب أن يُتوقّع منّا أن ندعم مكانا ما أو نشعر إزاءه بالانتماء وهو لا يَعِد بأكثر من مكافأة مقابل النشر، فهو لا يوفر أي شكل من أشكال الأمان الوظيفي، بل حتى "أمان نشر" موضوع ما. يمكن أن يُطلب منك أن تكتب للموقع دون مقابل لفترة غير محددة تحت عنوان "دعم الموقع" في فترات عدم الاستقرار المالي أو غياب الدعم. توافق بحماس وتدعم (أرى ذلك الآن تصرفات على قدر من السذاجة والرومانسية نقع فيها غالبا في السنوات المتقدمة من عملنا حيث الخبرات المهنية والحياتية لم تتراكم وتتبلور بعد) ثم ماذا؟ لا شيء. هل سيُقدّر لك هذا الجهد لاحقا بأي شكل؟ الإجابة: لا.
لا ضمانات، أن تصلك مكافأتك المالية، بالتزامن مع أو بعد فترة وجيزة من النشر، بل يمكن أن تتأخّر لشهور، ولا أن تصل إليك "بطريقة لائقة"، ولا أن يُنشر موضوعك الذي تأجّل طويلا، دون أن تعرف أي سبب منطقي لا لتأخر النشر ولا لإلغائه. أمور أساسية بالنسبة لأي كاتب تجدها تُقرّر من جانب شخص واحد، الذي يتولّى مسئولية التحرير، دون أية أسباب موضوعية أو مفهومة. وليس هناك تعاقد ولا ضوابط مكتوبة أو مُعلنة للعمل أو لحفظ حقوق الصحفي، ولا تأمين، ولا بدل انتقالات مثلا.. إلخ.
عادة ما تصف هذه الأماكن نفسها بأنها "أماكن صغيرة"، بالنظر إلى محدودية مواردها وصغر فِرَقِها، وهو أمر لا يعيبها إن حافظت على الحد الأدنى من التعامل المُنصف مع الصحفيين الذين يكتبون لها، خاصة الذين اعتمدت عليهم في العمل لسنوات، ولكن يعيبها للغاية في ما كتبتُه بالأعلى، في عدم تقدير هؤلاء الصحفيين ماديا أو معنويا، وفي عدم وجود التزام من الموقع والقائمين عليه باحترام جهدهم، بنشره ودفع مقابله. لذلك سوف تشعر بمرور الوقت أنك وضعت جهدك لفترات طويلة في المكان الخطأ.
مقالاي غير المدفوعيْن من الموقع الذي كتبت له لسنوات (لن أفصّل في مقدار الجهد الذي بذلتُه فيهما بدءا من العمل الميداني ومشقة وتكلفة الانتقال لمحافظة أخرى وانتهاء بالمراجعة والتدقيق واختيار صور للنشر مناسبة للمحتوى) أحدهما نُشر في مارس الماضي وتأخّر إرسال مكافأته إلى شهر يوليو (وهذا التأخير لشهور قد تكرّر من قبل مرّات) وعندما أُرسلت كانت طريقة الإرسال غير لائقة، تجعلك -إلى جانب تفاصيل أخرى- ترفض تسلّمها، وهذا لا يعني التنازل عن الحق المادي الذي يظل قائما لدى الموقع، والمقال الآخر تأجّل نشره لأكثر من شهرين ثم أُبلغت بإلغاء نشره دون أي سبب موضوعي، وهذا من صور انعدام الضوابط في العمل بما يحفظ حقوق الكتّاب. وإن كان موقع ما غير قادر على إيصال مكافآت الكتّاب المتعاونين بالشكل اللائق الذي يُرضيهم، وعلى احترام حقوقهم والالتزام تجاههم، فعليه أن يتوقف عن استكتاب الناس. جهد الصحفي ليس مجانيا، وتعبه ليس محلا للاستهانة، وفقا للمزاج الشخصي.
Comments
Post a Comment